قال السعدي - ﵀ -: "وأما الاستشفاع بالله على خلقه فهو تعالى أعظم شأنًا من أن يتوسل به إلى خلقه. لأن رتبة المتوسَّل به غالبا دون رتبة المتوسَّل إليه. وذلك من سوء الأدب مع الله. فيتعين تركه. فإن الشفعاء لا يشفعون عِنْدَه إلا بإذنه" (^٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: "الاستشفاع بالله على خلقه تنقص لله - ﷿ - لأنه جعل مرتبة الله أدنى من مرتبة المشفوع إليه. إذ لو كان أعلى مرتبة ما احتاج أن
_________________
(١) * فتح المجيد ص ٦٠٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٩٠. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٥٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٢٦٩ ط ٢ - ٣/ ٣٣٨ ومن المجموع ١٠/ ١٠٩٤. الدين الخالص لصديق القنوجي ٢/ ١٧١.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٢٦)، والطبراني في الكبير (١٥٤٧).
(٣) القول السديد ١٥٣.
[ ١ / ٨٨ ]
يشفع عنده بل يأمره أمرًا والله - ﷿ - لا يشفع لأحد من خلقه إلى أحد لأنه أجل وأعظم من أن يكون شافعًا؛ ولهذا أنكر النبي - ﷺ - ذلك على الأعرابي، وهذا وجه وضع هذا الباب في كتاب التوحيد" (^١).
* فائدة: الذي أنكره الرسول - ﷺ - من الأعرابي قوله: "نستشفع بالله عليك" ومعناها أي نجعله واسطة بيننا وبينك كأنه قال: نطلب من الله أن يتوسط لنا عِنْدَ الرسول - ﷺ - وهذا يقتضي أنه جعل مرتبة الله في مرتبة أدنى من مرتبة الرسول - ﷺ -، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
أما قوله: "إنا نستشفع بك على الله" فمعناه صحيح أي نطلب منك أن تكون شافعًا لنا عِنْدَ الله فتدعو الله لنا.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - ﵀ -: "وأما الاستشفاع بالرسول - ﷺ - في حياته فالمراد به استجلاب دعائه، وليس خاصا به - ﷺ -، بل كل حي صالح يُرجى أن يُستجاب له فلا بأس أن يُطلب منه أن يدعو للسائل بالمطالب الخاصة والعامة، كما قال النبي - ﷺ - لعمر لما أراد أن يعتمر من المدينة: "لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك" (^٢). وأما الميت فإنه يشرع في حقه الدعاء له على جنازته وعلى قبره وفي غير ذلك. وهذا هو الذي يشرع في حق الميت. وأما دعاؤه فلم يشرع، بل قد دل الكتاب والسنة على النهي عنه والوعيد عليه، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٩٤. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٧٣، ٢٧٠.
(٢) أخرجه أبو داود في السنن (١٤٩٨)، والترمذي في الجامع (٣٥٥٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٨٩ ]
بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٣، ١٤] فبين الله تعالى أن دعاء من لا يسمع ولا يستجيب شرك يكفر به المدعو يوم القيامة" (^١).
وقال ابن عثيمين - ﵀ -: "فإن قيل أليس قد قال النبي - ﷺ -: "من سأل بالله فأعطوه". وهذا دليل على جواز السؤال بالله؛ إذ لولم يكن السؤال بالله جائزًا لَم يكن إعطاء السائل واجبًا؟
والجواب أن يقال: إن السؤال بالله لا يقتضي أن تكون مرتبة المسؤول به أدنى من مرتبة المسؤول بخلاف الاستشفاع، بل يدل على أن مرتبة المسؤول به عظيمة بحيث إذا سئل به أعطي.
على أن بعض العلماء قال: "من سألكم بالله" أي: من سألكم سؤالا بمقتضى شريعة الله فأعطوه، وليس المعنى من قال: أسألك بالله.
والمعنى الأول أصح، وقد ورد مثله في قول الملك: "أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن"" (^٢).
_________________
(١) فتح المجيد ص ٦٠٧، ٦٠٨.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٩٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٧٣.
[ ١ / ٩٠ ]