لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦].
وثبت عَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله بهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللّهُ بهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ الكلِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ" (^٢).
قال الشيخ عبد الله بن جبرين: "ومن شروط - لا إله إلا الله - القبول المنافي للرد، فإن هناك من يعلم معنى الشهادتين ويوقن بمدلولها ولكنه يردهما كبرًا وحسدًا، وهذه حالة علماء اليهود والنصارى، فقد شهدوا بإلهية الله وحده، وعرفوا محمدًا - ﷺ - كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك لم يقبلوه ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩].
وهكذا كان المشركون يعرفون معنى لا إله إلا الله وصدق محمد - ﷺ -، ولكنهم يستكبرون عن قبوله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ص ٣٦٤.
(٢) أخرجه البخاري (٧٩).
[ ١ / ٣٢ ]
يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [لأنعام:٣٣] " (^١).
وفي تفسير آية الصافات يقول ﷿: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ بطريق الدعوة والتلقين ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن القبول يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون يستكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها (^٢) فهم لا يقبلونها كما قبلها المؤمنون الموحدون، ولم ينقادوا لما دلت عليه من أداء حقوقها، ويدخل في ذلك حالة عُبّاد القبور كما هو مشاهد اليوم، فإنهم يقولون (لا إله إلا الله) ومع ذلك لا يتركون عبادة القبور والذبح لها، فهم وإن تلفظوا بالشهادة إلا أنهم غير قابلين لها وغير ملتزمين بما دعت له.