هو اسم من أسماء الله تعالى، على وزن (أفعل) وهي بصيغة المبالغة، واسم (الأعلى) بالتعريف يفهم منه أنه تعالى هو وحده الأعلى في ذاته، وفي أسمائه، وفي أفعاله، ولا يوجد من هو أعلى منه في أي شيء على الإطلاق.
وقد ورد اسم (الأعلى) في القرآن الكريم مرتين٥:
١- في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (الأعلى آية ١) .
أقول: وقد سبق اسم (الأعلى) في هذه الآية الكريمة أمر من الله ﷿ أن نسبح اسمه، وهنا يثور التساؤل: هل التسبيح - وهو التنزيه عن كل ما لا يليق - للرب أو لاسمه تعالى؟
ذهب العلماء إلى رأيين:
الأول: أن التسبيح إنما هو للرب جل وعلا، ومن ثم يكون (اسم) مقحما، وفي هذا يقول الإمام الشوكاني: المعنى: سبح ربك الأعلى.
الثاني: أن التسبيح لاسم الرب جل وعلا، ومن ثم فلا يكون (اسم) مقحما، وفي هذا يقول الإمام ابن جرير: المعنى: نزه اسم ربك أن يسمى به أحد سواه. وقيل: المعنى: نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم.
وقال الحسن: معنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ صلِّ له. وقيل: المعنى: صلِّ بأسماء الله لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية. وقيل: المعنى: ارفع صوتك بذكر ربك.
ثم هناك تساؤل آخر: هل الأعلى صفة للرب أو صفة الاسم؟
ذكر الإمام الشوكاني أنه قيل: إنه صفة للرب، ويرى أن هذا الرأي هو أولى. وقيل: إنه صفة للاسم١.
وقد كان الرسول ﷺ يحب سورة الأعلى؛ فقد روى الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾)، تفرد به أحمد.
كما كان الرسول ﷺ يقرأ بها في أكثر من مناسبة؛ فقد روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى
٥ المعجم المفهرس.
_________________
(١) ١ فتح القدير الجزء الخامس ص ٤٢٣.
[ 47 - 48 / ٧٠ ]
الله عليه وسلم قرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا)، ولفظ الإمام مسلم وأهل السنن: (كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما) .
وروى الإمام أحمد عن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن أبزى وعائشة أم المؤمنين (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وزادت عائشة: والمعوذتين) .
بل ثبت أن رسول الله ﷺ حث على الصلاة بسورة الأعلى؛ فقد جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: "هلا صلَّيت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾) .
أقول: مما أسلفت يتبين أن اسم (الأعلى) - وقد سبق بالأمر بتنزيه ربنا تعالى أو اسمه، بمعنى الإقرار بجميع صفات كماله، وإبعاده عن جميع صفات النقص - يدل على أهمية قضية توحيد الله ﷿ في مناسبات عديدة في مواضع مختلفة من القرآن الكريم.
١- وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ (الليل آية ١٩، ٢٠) .
أقول: وقد سبق اسم (الأعلى) في هذه الآية بيان أن أبا بكر الصديق ﵁ ما كان يبذل ماله ليكافئ من أسدى إليه معروفا، فيكون إعطاؤه إياه مقابل معروفه، وإنما كان بذله ابتغاء وجه ربه الأعلى، طاعة له ليزكي نفسه وماله؛ بمعنى أنه - ﵁ - إنما كان يتصدق مبتغيا بصدقته وجه الله تعالى خالصا، لا ليجازي بصدقته صاحب نعمة عليه.
ومن هذا يتبين لنا أن اسم (الأعلى) قد سبق بإقرار قضية التوحيد بإخلاص العمل لله تعالى وحده، دون أن يكون لأي من البشر فيه نصيب.
وقد ذكر الإمام الشوكاني في معنى الآية المذكورة: أنه ليس لأحد من الناس عنده نعمة من شأنها أن يجازي عليها حتى يقصد بإيتاء ما يؤتي من ماله مجازاتها، وإنما لا يؤتي إلا لابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة١.
_________________
(١) ١ فتح القدير الجزء الخامس ص ٤٥٤.
[ 47 - 48 / ٧١ ]
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ (الليل آية ١٧- ١٨) . ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الصفات، وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقا، تقيا، كريما، جوادا، بذالا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله ﷺ، ﵁ وأرضاه٢.
[ 47 - 48 / ٧٢ ]