اتصف الشيخ بمكارم الأخلاق. أما عن حدة الطبع التي توصف بها كتاباته وشدته في نقد المذاهب والطوائف المخالفة للسنة، فهي كرد فعل لشدة خصومه ومخالفيه.
وكان هو على يقين بأنه على الحق بالأدلة الشرعية العقلية.
فالواقع أن الرجوع إلى مراحل حياة الشيخ، والاطلاع على التهم التي كيلت إليه ظلمًا، وما نسب إليه زورًا وبهتانًا (٣) . كل هذا دفع بالشيخ إلى الثورة على المظالم التي أحدقت به.
ويزيد الأمر إيضاحًا ما يحدثنا به عن نفسه فيقول: (فإن الناس يعلمون أني من أطول الناس روحًا وصبرًا على مر الكلام، وأعظم الناس عدلًا في المخاطبة لأقل الناس) (٤) فبم إذن يفسر ثورته وغضبه؟
هنا يجيب قائلًا: (فمتى ظلم المخاطب، لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن، بل عنف أبو بكر الصديق - ﵁ - عروة بن مسعود بحضرة النبي - ﷺ - لما قال: إني لأرى أوباشًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، وأجابه بحدة بالغة الشدة:
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ٢٤.
(٢) نفس المصدر ص ٢٦.
(٣) يقول ابن تيمية: (وكان قد بلغني أنه زور عليَّ كتاب) ويقول: (أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون عليَّ) ٢٠٧. من كتاب العقود الدرية لابن عبد الهادي.
(٤) محنة الشيخ ص ٤٤.
[ ٢١٢ ]
(أنحن نفر عنه وندعه)؟ (١) .
وفيما عدا هذا، فقد كان الشيخ متسامحًا، مطبقًا لأخلاقيات الإسلام في العفو وتصفية قلبه من الأحقاد والضغائن، إذ لما انقلبت الأوضاع السياسية وحل الملك محمد ابن الملك المنصور قلاوون، بدلًا من المظفر الجاشنكير بيبرس - وكان يكن للشيخ المحبة والتقدير في بداية حكمه - طلب منه أن يفتي بقتل بعض القضاة - الذين أفتوا بعزله عن الملك أيام الجاشنكير - فأبى، بل دافع عنهم بقوله: إذا قتلت هؤلاء، لا تجد مثلهم بعدهم. فلما ذكره الملك بأنهم سبق أن آذوه وأرادوا قتله مرارًا أجاب (من آذاني فهو في حل) .
وإزاء هذا التصرف، اضطر ابن مخلوف قاضي المالكية إلى الاعتراف بأنه لم ير مثل ابن تيمية، لأنه حرض عليه فلم يقدر عليه، فلمّا قدر عليهم جميعًا صفح عنهم، وحاج عنهم (٢) وهذا صحيح. لأننا لو عقدنا مقارنة بين حديث هذا القاضي بعد أن زال عنه الصولجان، ووصف ابن تيمية له في السجن، لظهر الفرق بين الرجلين، إذ يقول عنه: (وابن مخلوف ولو عمل مهما عمل - والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه.. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عونًا للشيطان على إخواني المسلمين) (٣) .
فإذا ما انتقل من هذه العلاقة الخاصة مع خصمه القاضي ونظر إلى المسلمين بعامة، فإنه يدعو لهم بالخير في دينهم ودنياهم، ويحب أن يراهم وقد اختفت من بينهم بذور الفتن والخلاف، فلن (ينقطع الدور وتزول الحيرة، إلا بالإنابة إلى الله والاستغفار والتوبة، وصدق الالتجاء، فإنه سبحانه لا ملجأ منه إلا إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (٤) .
كذلك يعلن أنه لا يهدف إلى تحقيق غرض دنيوي، ولا يطمع في تحقيق
_________________
(١) نفس المصدر والصفحة ١٩، ٢٠ ابن كثير ص ٥٤، ج ١٤.
(٢) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ٥٤.
(٣) محنة الشيخ ص ٥٩.
(٤) نفس المصدر.
[ ٢١٣ ]
منصب، أو جاه، أو الحصول على أموال، فإنه (لم يقبل من أحد شيئًا من النفقات السلطانية، ولا من الكسوة، ولا من الإدارات ولا غيرها، ولا تدنس بشيء من ذلك) (١)، فهو يسعى إلى تحقيق ما يحبه الله ورسوله، فإذا ما قابلته بعض الخصومات، فإنه لا ينظر إليها نظرة شخصية خاصة، وإنما يتحمل كل الصعاب في سبيل هدفه العام الذي عاش من أجله (نحن إنما ندخل فيما يحبه الله ورسوله - ﷺ - والمؤمنون، ليس لنا غرض مع أحد، بل نجزي بالسيئة الحسنة، ونعفو ونغفر) (٢) .
وكانت حياة الشيخ برهانًا على صدق قوله، واقتران العلم بالعمل. إنه تمكن من خصومه كما بينا فلم يصبهم بأذى، وعندما سجنه الملك الناصر، أصبح ذلك دليلًا على أنه لم يحاول أن يستمد قوته من الأمير، بل كان يعلن ما يراه حقًا (ولو كان يستمدها من الناصر ما ألقاه في غيابة السجن، فكان هذا هو الدليل القاطع على أنه متبوع لا تابع، وحر سيد نفسه، وليست نفسه، ولا فكره ملكًا لأحد) (٣) وبذلك نراه يتخلق بأخلاق العالم المسلم.