خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا يخرج مِنْهَا وَمَا ينزل من السَّمَاء وَمَا يعرج فِيهَا وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير [الْحَدِيد ٣ ٤] فالشاهد أَن هَذِه الصِّفَات الَّتِي يظنّ الجاهلون أَنَّهَا صفة نقص ويتهجمون على رب السَّمَوَات وَالْأَرْض بِأَنَّهُ وصف نَفسه صفة نقص ثمَّ يسببون عَن هَذَا أَن ينفوها ويؤولوها مَعَ أَن الله جلّ وَعلا تمدح بهَا وَجعلهَا من صِفَات الْجلَال والكمال مقرونة بِمَا يبهر من صِفَات الْجلَال والكمال هَذَا يدل على جهل وهوس من يَنْفِي بعض صِفَات الله جلّ وَعلا بالتأويل
فتْنَة التَّأْوِيل ثمَّ اعلموا أَن هَذَا الشَّيْء الَّذِي يُقَال لَهُ التَّأْوِيل الذ فتن بِهِ الْخلق وضل بِهِ الآلاف من هَذِه الْأمة اعلموا أَن التَّأْوِيل يُطلق فِي الصطلاح مُشْتَركا بَين ثَلَاثَة مَعًا ١ يُطلق على مَا تؤول إِلَيْهِ حَقِيقَة الْأَمر فِي ثَانِي حَال وَهَذَا هُوَ مَعْنَاهُ فِي الْقُرْآن نَحْو قَوْله تَعَالَى ذَلِك خير لكم وَأحسن تَأْوِيلا [النِّسَاء ٥٩] وَلما يَأْتهمْ تَأْوِيله [يُونُس ٣٩] يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله يَقُول الَّذين نسوه من قبل
[ ٣٢ ]
[الْأَعْرَاف ٥٣] أَي مَا تؤول إِلَيْهِ حَقِيقَة الْأَمر فِي ثَانِي حَال ٢ وَيُطلق التَّأْوِيل بِمَعْنى التَّفْسِير وَهَذَا قَول مَعْرُوف كَقَوْل ابْن جرير القَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى كَذَا أَي تَفْسِيره ٣ أما فِي اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ فالتأويل هُوَ صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره الْمُتَبَادر مِنْهُ لدَلِيل وَصرف اللَّفْظ عَن ظَاهره الْمُتَبَادر مِنْهُ لَهُ عِنْد عُلَمَاء الْأُصُول ثَلَاث حالات أإما أَن يصرفهُ عَن ظَاهره الْمُتَبَادر مِنْهُ لدَلِيل صَحِيح من كتاب أَو سنة وَهَذَا النَّوْع من التَّأْوِيل صَحِيح مَقْبُول لَا نزاع فِيهِ وَمِثَال هَذَا النَّوْع مَا ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْجَار أَحَق بصقبه (٢) فَظَاهر هَذَا الحَدِيث ثُبُوت الشُّفْعَة للْجَار وَحمل هَذَا الحَدِيث على الشَّرِيك المقاسم حمل للفظ على مُحْتَمل مَرْجُوح غير ظَاهر متبادر إِلَّا أَن حَدِيث جَابر الصَّحِيح فَإِذا ضربت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة (٣) دلّ على أَن المُرَاد بالجار الَّذِي هُوَ أَحَق بصقبه خُصُوص الشَّرِيك المقاسم فَهَذَا النَّوْع من صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره الْمُتَبَادر مِنْهُ لدَلِيل وَاضح من كتاب وَسنة يجب الرُّجُوع إِلَيْهِ وَهَذَا
[ ٣٣ ]
تَأْوِيل يُسمى تَأْوِيلا صَحِيحا وتأويلا قَرِيبا وَلَا مَانع مِنْهُ إِذا دلّ عَلَيْهِ النَّصْر ب الثَّانِي هُوَ صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره الْمُتَبَادر مِنْهُ لشَيْء يَعْتَقِدهُ الْمُجْتَهد دَلِيلا وَهُوَ فِي نفس الْأَمر لَيْسَ بِدَلِيل فَهَذَا يُسمى تَأْوِيلا بَعيدا وَيُقَال لَهُ فَاسد وَمثل لَهُ بعض الْعلمَاء بِتَأْوِيل الإِمَام أبي حنيفَة ﵀ لفظ امْرَأَة فِي قَوْله ﷺ أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل (٤) قَالُوا حمل هَذَا على خُصُوص الْمُكَاتبَة تَأْوِيل بعيد لِأَنَّهُ صرف للفظ عَن ظَاهره الْمُتَبَادر مِنْهُ لِأَن أَي فِي قَوْله أَي امْرَأَة صِيغَة عُمُوم وأكدت صِيغَة الْعُمُوم ب مَا المزيدة للتوكيد فَحمل هَذَا على صُورَة نادرة هِيَ الْمُكَاتبَة حمل للفظ على غير ظَاهره لغير دَلِيل جازم يجب الرُّجُوع إِلَيْهِ ج أما حمل اللَّفْظ على غير ظَاهره لَا لدَلِيل فَهَذَا لَا يُسمى تَأْوِيلا فِي الِاصْطِلَاح بل يُسمى لعبا لِأَنَّهُ تلاعب بِكِتَاب الله وَسنة نبيه ﷺ وَمن هَذَا تَفْسِير غلاة الروافض قَوْله تَعَالَى إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة [الْبَقَرَة ٦٧] قَالُوا عَائِشَة
[ ٣٤ ]