- قال ﵀ في رسالته 'الابداع في بيان كمال الشرع وخطر الابتداع': المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقا للشريعة في أمور ستة:
الأول: السبب، فإذا تعبد الإنسان لله عبادة مقرونة بسبب ليس شرعيا فهي بدعة مردودة على صاحبها. مثال ذلك: أن بعض الناس يحيي ليلة السابع والعشرين من رجب بحجة أنها الليلة التي عرج فيها برسول الله - ﷺ -، فالتهجد عبادة، ولكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة لأنه بنى هذه العبادة على سبب لم يثبت شرعا. وهذا الوصف -موافقة العبادة للشريعة في السبب- أمر مهم يتبين به ابتداع كثير مما يظن أنه من السنة وليس من السنة.
[ ١٠ / ٤٣٦ ]
الثاني: الجنس، فلا بد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة. مثال ذلك: أن يضحي رجل بفرس، فلا يصح أضحية لأنه خالف الشريعة في الجنس، فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، الإبل، البقر، الغنم.
الثالث: القدر، فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة فنقول: هذه بدعة غير مقبولة لأنها مخالفة للشرع في القدر ومن باب أولى لو أن الإنسان صلى الظهر مثلا خمسا فإن صلاته لا تصح بالاتفاق.
الرابع: الكيفية فلو أن رجلا توضأ فبدأ بغسل رجليه، ثم مسح رأسه ثم غسل يديه، ثم وجهه فنقول: وضوؤه باطل لأنه مخالف للشرع في الكيفية.
الخامس: الزمان فلو أن رجلا ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية لمخالفة الشرع في الزمان.
وسمعت أن بعض الناس في شهر رمضان يذبحون الغنم تقربا لله تعالى بالذبح، وهذا العمل بدعة على هذا الوجه، لأنه ليس هناك شيء يتقرب به إلى الله بالذبح إلا الأضحية، والهدي والعقيقة، أما الذبح في رمضان مع اعتقاد الأجر على الذبح كالذبح في عيد الأضحى فبدعة. وأما الذبح لأجل اللحم فهذا جائز.
السادس: المكان، فلو أن رجلا اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح، وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد، ولو قالت امرأة أريد أن أعتكف في مصلى البيت. فلا يصح اعتكافها لمخالفة الشرع في المكان.
[ ١٠ / ٤٣٧ ]
ومن الأمثلة لو أن رجلا أراد أن يطوف فوجد المطاف قد ضاق ووجد ما حوله قد ضاق فصار يطوف من وراء المسجد فلا يصح طوافه لأن مكان الطواف البيت قال الله تعالى لإبراهيم الخليل: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ للطائفين﴾ (١).
فالعبادة لا تكون عملا صالحا إلا إذا تحقق فيها شرطان:
الأول: الإخلاص.
الثاني: المتابعة، والمتابعة لا تتحقق إلا بالأمور الستة الآنفة الذكر.
وإنني أقول لهؤلاء الذين ابتلوا بالبدع -الذين قد تكون مقاصدهم حسنة ويريدون الخير- إذا أردتم الخير فلا -والله- نعلم طريقا خيرا من طريق السلف ﵃.
أيها الإخوة عضوا على سنة الرسول - ﷺ - بالنواجذ واسلكوا طريق السلف الصالح وكونوا على ما كانوا عليه وانظروا هل يضيركم ذلك شيئا؟.
وإني أقول -وأعوذ بالله أن أقول ما ليس لي به علم- أقول إنك لتجد الكثير من هؤلاء الحريصين على البدع يكون فاترا في تنفيذ أمور ثبتت شرعيتها وثبتت سنيتها، فإذا فرغوا من هذه البدع قابلوا السنن الثابتة بالفتور، وهذا كله من نتيجة أضرار البدع على القلوب فالبدع أضرارها على القلوب عظيمة، وأخطارها على الدين جسيمة، فما ابتدع قوم في دين الله بدعة إلا أضاعوا من السنة مثلها أو أشد، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم من السلف.
_________________
(١) الحج الآية (٢٦).
[ ١٠ / ٤٣٨ ]
لكن الإنسان إذا شعر أنه تابع لا مشرع حصل له بذلك كمال الخشية والخضوع، والذل، والعبادة لرب العالمين، وكمال الاتباع لإمام المتقين وسيد المرسلين ورسول رب العالمين محمد - ﷺ -. (١)
- وقال في شرحه على العقيدة الواسطية: ولكن ولله الحمد ما ابتدع أحد بدعة، إلا قيض الله له بمنه وكرمه من يبين هذه البدعة ويدحضها بالحق وهذا من تمام مدلول قول الله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٢)، هذا من حفظ الله لهذا الذكر، وهذا أيضا هو مقتضى حكمة الله عزوجل، لأن الله تعالى جعل محمدا - ﷺ - خاتم النبيين، والرسالة لا بد أن تبقى في الأرض، وإلا لكان للناس حجة على الله وإذا كانت الرسالة لابد أن تبقى في الأرض، لزم أن يقيض الله عزوجل بمقتضى حكمته عند كل بدعة من يبينها ويكشف عورها، وهذا هو الحاصل. (٣)
- وقال في رسالته منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل: إذا لو أن أحدا من أهل البدع ابتدع طريقة عقيدة (أي تعود للعقيدة) أو عملية (تعود إلى العمل) من قول أو فعل، ثم قال إن هذه حسنة. والنبي - ﷺ - يقول: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٤). قلنا له بكل بساطة هذا الحسن الذي ادعيت أنه ثابت في هذه
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل (٥/ ٢٥٣ - ٢٥٥).
(٢) الحجر الآية (٩).
(٣) مجموع فتاوى ورسائل (٨/ ٢٥).
(٤) تقدم تخريجه في مواقف صديق حسن خان سنة (١٣٠٧هـ).
[ ١٠ / ٤٣٩ ]
البدعة هل كان خافيا لدى الرسول ﵊ أو كان معلوما عنده لكنه كتمه ولم يطلع عليه أحد من سلف الأمة حتى ادخر لك علمه؟
والجواب: إن قال بالأول فشر، وإن قال بالثاني فأطم وأشر.
فإن قال: إن الرسول ﵊ لا يعلم حسن هذه البدعة ولذلك لم يشرعها.
قلنا: رمينا رسول الله - ﷺ - بأمر عظيم حيث جهلته في دين الله وشريعته.
وإن قال إنه يعلم ولكن كتمه عن الخلق.
قلنا له: وهذه أدهى وأمر لأنك وصفت رسول الله - ﷺ - الذي هو الأمين الكريم، وصفته بالخيانة وعدم الجود بعلمه، وهذا أشر من وصفه بعدم الجود بماله، مع أنه - ﷺ - كان أجود الناس، وهنا شر قد يكون احتمالا ثالثا بأن الرسول - ﷺ - علمها وبلغها ولكن لم تصل إلينا، فنقول له وحينئذ طعنت في كلام الله عزوجل لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١) وإذا ضاعت شريعة من شريعة الذكر فمعنى ذلك أن الله لم يقم بحفظه بل نقص من حفظه إياه بقدر ما فات من هذه الشريعة التي نزل من أجلها هذا الذكر.
وعلى كل حال فإن كل إنسان يبتدع ما يتقرب به إلى ربه من عقيدة أو عمل قولي أو فعلي فإنه ضال لقول رسول الله - ﷺ -: «كل بدعة ضلالة» (٢)
_________________
(١) الحجر الآية (٩).
(٢) تقدم تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).
[ ١٠ / ٤٤٠ ]
وهذه كلية عامة لا يستثنى منها شيء إطلاقا فكل بدعة في دين الله فإنها ضلالة وليس فيها من الحق شيء فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ (١).اهـ (٢)
- وقال: وإن من جملة البدع ما ابتدعه بعض الناس في شهر ربيع الأول من بدعة عيد المولد النبوي، يجتمعون في الليلة الثانية عشر منه في المساجد أو البيوت فيصلون على النبي - ﷺ - بصلوات مبتدعة ويقرؤون مدائح للنبي - ﷺ - تخرج بهم إلى حد الغلو الذي نهى عنه النبي - ﷺ -، وربما صنعوا مع ذلك طعاما يسهرون عليه فأضاعوا المال والزمان وأتعبوا الأبدان فيما لم يشرعه الله ولا رسوله ولا عمله الخلفاء الراشدون ولا الصحابة ولا المسلمون في القرون الثلاثة المفضلة ولا التابعون بإحسان. ولو كان خيرا لسبقونا إليه، ولو كان خيرا ما حرمه الله تعالى سلف هذه الأمة، وفيهم الخلفاء الراشدون والأئمة وما كان الله تعالى ليحرم سلف هذه الأمة ذلك الخير لو كان خيرا ثم يأتي أناس من القرن الرابع الهجري فيحدثون تلك البدعة. (٣)