- قال ﵀ تعقيبا على حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » (٢): والحقيقة أن الحديث وإن كان مؤولا، فهو حجة على الحنفية
_________________
(١) التحذير من فتنة التكفير (ص٥٨ - ٦٧).
(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
الذين لا يزالون مصرين على مخالفة السلف في قولهم بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. فالإيمان عندهم مرتبة واحدة، فهم لا يتصورون إيمانا ناقصا، ولذلك يحاول الكوثري رد هذا الحديث، لأنه بعد تأويله على الوجه الصحيح يصير حجة عليهم، فإن معناه: "وهو مؤمن إيمانا كاملا". قال ابن بطال: "وحمل أهل السنة الإيمان هنا على الكامل، لأن العاصي يصير أنقص حالا في الإيمان ممن لا يعصي".
ذكره الحافظ (١). ومثله ما نقله (٢) عن الإمام النووي قال: "والصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، هذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، والمراد نفي كماله، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا ما نيل، ولا عيش إلا عيش الآخرة".
ثم أيده الحافظ في بحث طويل ممتع، فراجعه.
ومن الغرائب أن الشيخ القارئ -مع كونه حنفيا متعصبا- فسر الحديث بمثل ما تقدم عن ابن بطال والنووي، فقال في 'المرقاة' (١/ ١٠٥): "وأصحابنا تأولوه بأن المراد المؤمن الكامل "، ثم قال: "على أن الإيمان هو التصديق، والأعمال خارجة عنه"!.
فهذا يناقض ذاك التأويل. فتأمل. (٣)
- وقال ﵀ تعقيبا على الحديث الموضوع: «إنما حر جهنم على
_________________
(١) (١٠/ ٢٨).
(٢) (١٢/ ٤٩).
(٣) الصحيحة (٦/ ١٢٧٦ - ١٢٧٧).
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
أمتي كحر الحمام» (١): وحري بمثل هذا الحديث الباطل أن لا يرويه إلا مثل هذين الكذابين، فإنه حديث خطير يقضي على باب كبير من أبواب التربية والإصلاح في الشرع، ألا وهو باب الوعيد وما فيه من الآيات والأحاديث في إيعاد العصاة من هذه الأمة بالنار الموقدة ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾، والأحاديث الصحيحة في بيان هذا كثيرة جدا، أذكر بعض ما يحضرني الآن منها على سبيل المثال:
١ - «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره والمنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». رواه مسلم عن أبي ذر، وهو مخرج في 'إرواء الغليل' (٨٩٢) و'تخريج الحلال' (١٧٠). (٢)
٢ - «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر». رواه مسلم عن أبي هريرة (٣).
٣ - قوله - ﷺ - في حديث الشفاعة: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا
_________________
(١) موضوع، رواه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣١٤ - ٣١٥/ ٦٥٩٩) وأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٦٠) وقال: "فيه محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف جدا"، بل رماه غير واحد بالوضع. قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الضعيفة (٢/ ١٤٥): "سند هالك وفيه آفات وعلل .. ".
(٢) أحمد (٤/ ١٤٨) ومسلم (١/ ١٠٢/١٠٦) وأبو داود (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧/ ٤٠٨٧) والترمذي (٣/ ٥١٦/١٢١١) وقال: "حسن صحيح". والنسائي (٨/ ٢٠٨/٥٣٤٨) وابن ماجه (٢/ ٧٤٤ - ٧٤٥/ ٢٢٠٨) بنحوه.
(٣) مسلم (١/ ١٠٢ - ١٠٣/ ١٠٧) وأحمد (٢/ ٤٣٣) والنسائي (٥/ ٨٦/٢٥٧٤) بلفظ: «والعامل المزهو».
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
الله، أمر الله الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود. وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا». رواه الشيخان عن أبي هريرة (١).
وفي حديث أبي سعيد: «فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه و» رواه مسلم (٢).
فهذه الأحاديث وغيرها صريحة في بطلان هذا الحديث، إذ كيف يكون العذاب أليما وهو كحر الحمام؟ بل كيف يكون كذلك وقد أحرقتهم النار، وأكلت لحمهم، حتى ظهر عظمهم؟ وبالجملة فأثر هذا الحديث سيء جدا لا يخفى على المتأمل، فإنه يشجع الناس على استباحة المحرمات، بعلة أن ليس هناك عقاب إلا كحر الحمام. (٣)
- وقال رحمه الله تعالى ردا على أبي غدة: المسألة الخامسة: يقول الإمام -يعني ابن أبي العز- تبعا للأئمة مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة: "إن الإيمان هو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. وقالوا: يزيد وينقص".
وشيخك تعصبا لأبي حنيفة يخالفهم مع صراحة الأدلة التي تؤيدهم من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح ﵃، بل ويغمز منهم جميعا مشيرا إليهم بقوله في 'التأنيب' (ص.٤٤ - ٤٥) إلى "أناس صالحون" يشير أنهم
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤) والبخاري (١٣/ ٥١٦ - ٥١٧/ ٧٤٣٧) ومسلم (١/ ١٦٣ - ١٦٧/ ١٨٢).
(٢) أحمد (٣/ ٩٤) ومسلم (١/ ١٦٧ - ١٧١/ ١٨٣) والنسائي (٨/ ٤٨٦ - ٤٨٧/ ٥٠٢٥) وابن ماجه (١/ ٢٣/٦٠).
(٣) الضعيفة (٢/ ١٤٧ - ١٤٨/ ٧٠٩).
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
لا علم عندهم فيما ذهبوا إليه ولا فقه، وإنما الفقه عند أبي حنيفة دونهم، ثم يقول: إنه الإيمان والكلمة، وإنه الحق الصراح. وعليه فالسلف وأولئك الأئمة الصالحون هم عنده على الباطل في قولهم: بأن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد وينقص.؟ وقد نقل أبو غدة كلام شيخه الذي نقلنا موضوع الشاهد منه، نقله بحرفه، في التعليق على 'الرفع والتكميل' (ص.٦٧ - ٦٩)، ثم أشار إليه في مكان آخر منه ممجدا به ومكبرا له بقوله (ص.٢١٨): "وانظر لزاما ما سبق نقله تعليقا، فإنك لا تظفر بمثله في كتاب "ثم أعاد الإشارة إليه (ص.٢٢٣) مع بالغ إعجابه به. وظني به أنه يجهل -أن هذا التعريف للإيمان الذي زعم شيخه أنه الحق الصراح- مع ما فيه من المخالفة لما عليه السلف كما عرفت، مخالف لما عليه المحققون من علماء الحنفية أنفسهم الذين ذهبوا إلى: إن الإيمان هو التصديق فقط ليس معه الإقرار، كما في 'البحر الرائق' لابن نجيم الحنفي (٥/ ١٢٩)، والكوثري في كلمته المشار إليها يحاول فيها أن يصور للقارئ أن الخلاف بين السلف والحنفية في الإيمان لفظي، يشير بذلك إلى أن الأعمال ليست ركنا أصليا، ثم يتناسى أنهم يقولون: بأنه يزيد وينقص، وهذا ما لا يقول به الحنفية إطلاقا، بل إنهم قالوا في صدد بيان الألفاظ المكفرة عندهم: "وبقوله: الإيمان يزيد وينقص" كما في 'البحر الرائق' (باب أحكام المرتدين) فالسلف على هذا كفار عندهم مرتدون. راجع شرح الطحاوية (ص.٣٣٨ - ٣٦٠)، و'التنكيل' (٢/ ٣٦٢ - ٣٧٣) الذي كشف عن مراوغة الكوثري في هذه المسألة.
وليعلم القارئ الكريم أن أقل ما يقال في الخلاف المذكور في المسألة: أن الحنفية يتجاهلون أن قول أحدهم -ولو كان فاسقا فاجرا-: أنا مؤمن
[ ١٠ / ٤٢٦ ]
حقا، ينافي مهما تكلفوا في التأويل - التأدب مع القرآن ولو من الناحية اللفظية على الأقل، الذي يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١).
فليتأمل المؤمن الذي عافاه الله تعالى مما ابتلى به هؤلاء المتعصبة، من هو المؤمن حقا عند الله تعالى، ومن هو المؤمن حقا عند هؤلاء؟. (٢)