١ - بَدَاتُ اعْتِقَادِي بِاسْمِ ذِي الْعَفْوِ وَالْغُفْرِ (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وهذه العناوين، والتقاسيم ليست من صلب المنظومة، وإنما هي من عمل المحقق.
(٢) بدأ المصنفون كتبهم بالبسملة لأمور: منها - التأسي بفعل الصحابة - ﵃ - في افتتاحهم المصحف الإمام بالتسمية وتبعهم جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، سواء من يقول بأن البسملة آية من الفاتحة، ومن لا يقول ذلك. ومنها - الإقتداء بالرسول - ﷺ - في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم، كما في رسالته - ﷺ - إلى هرقل، في الحديث المتفق عليه. ومنها - العمل بحديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر)، أي ذاهب البركة، والحديث لا يثبت فقد رواه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " (١٢١٠) (٢/ ٦٩)، ومن طريقه السمعاني في " آداب الإملاء والاستملاء" (ص/٥٢)، ورواه السبكي في "طبقات الشافعية" (١/ ٦) - كلهم - من طريق أحمد بن محمد بن عمران - وأسقطه السمعاني - عن محمد بن صالح البصري عن عبيد بن عبدالواحد بن شريك عن يعقوب بن كعب الأنطاكي عن مبشر بن إسماعيل عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعا به. وأحمد بن محمد بن عمران، هو المعروف بالجنيدي، قال عنه الخطيب في "تاريخه": كان يضعف في روايته.، وقال الزهري: ليس بشيء. وقد أفرد العلماء هذا الحديث بالتصنيف، وقد حكم عليه الشيخ الألباني - ﵀ - في الإرواء (١) (١/ ٢٩) بأنه ضعيف جدًا، وقد اختلف العلماء في جواز العمل بالحديث الضعيف في باب فضائل الأعمال، والراجح المنع، وانظر " القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع" للحافظ السخاوي، ومقدمة " صحيح الترغيب والترهيب " للشيخ الألباني، وبحث "تحقيق القول بالعمل بالحديث الضعيف" للدكتور: عبد العزيز عبدالرحمن بن محمد العثيم. فائدة: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١/ ٩): [وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة، وكذا معظم كتب الرسائل، واختلف القدماء فيما إذا كان الكتاب كله شعرا، فجاء عن الشعبي منع ذلك، وعن الزهري قال: مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم، وعن سعيد بن جبير جواز ذلك، وتابعه على ذلك الجمهور، وقال الخطيب: هو المختار].
[ ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . وثَنَّيْتُ أَنَّ الْحَمْدَ لِلْوَاحِدِ الْبَرِّ (١)
٢ - وَأَنْ لَاِ إِلَهَ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَالْخَفَا سَوَى بِارِئِ خَلْقِهِ مُنَزِّلِ الْقَطْرِ (٢)
٣ - وَأَهْدَيْتُ مِنّيِ لِلْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَاةً كَمَا مَرَّ النَّسِيمُ (٣) عَلَى الزَّهْرِ (٤)
٤ - وَعِتْرَتِهِ (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) البدء بالحمدلة فيها نحو الوجوه الثلاث السابقة فقد ابتداء الصحابة كتابة المصحف الإمام بالفاتحة، وهي تبدأ بالحمد بعد البسملة، وكان النبي - ﷺ - يبدأ خطبته بالحمد، وأيضًا قد ورد في ذلك حديث مرسل لا يثبت، رواه أبو داود (٤٨٤٠) (٤/ ٢٦٢) وقال: (رواه يونس، وعقيل، وشعيب وسعيد بن عبدالعزيز عن الزهري عن النبي - ﷺ - مرسلًا)، وكذا صوب الدارقطني الإرسال في الحديث في سننه (١/ ٢٢٩) ولفظه: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع)، وقد اشتهر الكلام على هذا الحديث وانظر الإرواء (٢) (١/ ٣٢). فائدة: ظاهر صنيع الناظم هنا من البدء بالبسملة، ثم التثنية بالحمدلة، يحتاج لتوجيه للجمع بين الحديثين - على فرض ثبوتهما، أو اختيار العمل بالحديث الضعيف في الفضائل - ووجه الجمع: أن الأولية في البدء بالبسملة أولية حقيقية مطلقة، وأما الأولية في البدء بالحمدلة فهي أولية نسبية، أي بالنسبة لما يأتي بعدها.
(٢) أي المطر.
(٣) قال الثعالبي في فقه اللغة: (النَّسِيمُ حَرَكَةُ الرِّيحِ في لِينٍ وضُعْفٍ).
(٤) ووجه الشبه هنا قد يكون فيه تكلف وبعد، ولولا خشية إفساد عروض البيت لقلت: الأولى في هذا البيت: إبدال كلمة (كما) بـ (كلما).
(٥) روى الترمذي (٥/ ٦٦٣) (٣٧٨٨)، وغيره عن أبي سعيد، وزيد بن أرقم ﵄ قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من
[ ١٤ ]
الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما] وقال: وهذا حديث حسن غريب.
وقد اختلف العلماء في بيان درجة هذا الحديث، وفقهه اختلافًا كثيرًا، فقد ضعفه الإمام أحمد، وغيره. قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (٧/ ٣٩٤): [أما قوله: [وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض] فهذا رواه الترمذي وقد سئل عنه احمد بن حنبل، فضعفه، وضعفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح، وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة، قالوا: ونحن نقول بذلك كما ذكر القاضي أبو يعلي، وغيره. ولكن أهل البيت لم يتفقوا، ولله الحمد على شيء من خصائص مذهب الرافضة، بل هم المبرؤون المنزهون عن التدنس بشيء منه].
وهذا الحديث قد ورد من طرق أخرى كثيرة عن جابر بن عبد الله، أبي هريرة، وابن عباس، وعلي، وزيد بن ثابت، وغيرهم، وقد تتبع الشيخ الألباني طرق الحديث، وصححه بالشواهد، وكذا فعل الشيخ الأرناؤوط في تحقيق المسند حيث صححه بالشواهد، ما عدا قوله: [ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض].
وسوف أنقل هنا ما وجه به الشيخ الألباني الحديث بعد تصحيحه، وما ردَّ به على الشيعة في تفسيرهم المنحرف له، قال - ﵀ - في "السلسلة الصحيحة" (٤/ ٣٥٩): [من المعروف أن الحديث مما يحتج به الشيعة، ويلهجون بذلك كثيرا، حتى يتوهم أهل السنة أنهم مصيبون في ذلك، وهم جميعا واهمون في ذلك، وبيانه من وجهين: الأول: أن المراد من الحديث في قوله ﷺ: " عترتي " أكثر مما يريده الشيعة، ولا يَرُدَّه أهل السنة بل هم مستمسكون به، ألا وهو أن: العترة فيهم هم أهل بيته - ﷺ - وقد جاء ذلك موضحا في بعض طرقه كحديث الترجمة: " عترتي أهل بيتي " وأهل بيته في الأصل هم: نساؤه - ﷺ - وفيهن الصديقة عائشة - ﵅ جميعا - كما هو صريح قوله تعالى في (الأحزاب): (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا) بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا)، وتخصيص الشيعة (أهل البيت) في الآية بعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين - ﵃ - دون نسائه - ﷺ - من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصارًا لأهوائهم كما هو مشروح في موضعه، وحديث الكساء، وما في معناه غاية ما فيه: توسيع دلالة الآية، ودخول علي وأهله فيها، كما بينه الحافظ ابن كثير وغيره،
[ ١٥ ]
وكذلك حديث " العترة " قد بيَّن النبي - ﷺ - أن المقصود أهل بيته - ﷺ - بالمعنى الشامل لزوجاته - قلت: أي بطريق التبعية، لا الأصالة -، وعلي، وأهله. ولذلك قال التوربشتي - كما في " المرقاة " (٥/ ٦٠٠): " عترة الرجل: أهل بيته، ورهطه الأدنون، ولاستعمالهم " العترة " على أنحاء كثيرة بينها رسول الله - ﷺ - بقوله: " أهل بيتي " ليعلم أنه أراد بذلك نسله، وعصابته الأدنين، وأزواجه ".
والوجه الآخر: أن المقصود من " أهل البيت ": إنما هم العلماء الصالحون منهم، والمتمسكون بالكتاب، والسنة، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى: " (العترة) هم أهل بيته - ﷺ - الذين هم على دينه، وعلى التمسك بأمره ". وذكر نحوه الشيخ علي القاريء في الموضع المشار إليه آنفا. ثم استظهر أن الوجه في تخصيص أهل البيت بالذكر ما أفاده بقوله: " إن أهل البيت غالبا يكونون أعرف بصاحب البيت، وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه، وحكمته. وبهذا يصلح أن يكون مقابلا لكتاب الله سبحانه كما قال: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة). قلت: ومثله قوله تعالى في خطاب أزواجه - ﷺ - في آية التطهير المتقدمة: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ). فتبين أن المراد بـ (أهل البيت) المتمسكين منهم بسنته - ﷺ - فتكون هي المقصود بالذات في الحديث ولذلك جعلها أحد (الثقلين) في حديث زيد بن أرقم المقابل للثقل الأول وهو القرآن، وهو ما يشير إليه قول ابن الأثير في " النهاية ": " سماهما (ثقلين) لأن الآخذ بهما (يعني الكتاب والسنة) والعمل بهما ثقيل، ويقال لكل خطير نفيس (ثقل)، فسماهما (ثقلين) إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما ".
قلت: والحاصل أن ذكر أهل البيت في مقابل القرآن في هذا الحديث كذكر سنة الخلفاء الراشدين مع سنته - ﷺ - في قوله: " فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين ". قال الشيخ القاريء (١/ ١٩٩): " فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي، فالإضافة إليهم، إما لعملهم بها، أو لاستنباطهم واختيارهم إياها ". إذا عرفت ما تقدم فالحديث شاهد قوي لحديث " الموطأ " بلفظ: " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله ". وهو في "المشكاة" (١٨٦). وقد خفي وجه هذا الشاهد على بعض من سود صفحات من إخواننا الناشئين اليوم في تضعيف حديث الموطأ. والله المستعان ].
وقد بيَّن النبي - ﷺ - في هذا الحديث أن المراد بعترته: أهل بيته، وسوف يأتي في التعليق التالي - بمشيئة الله - زيادة بيان للمراد بالأهل.
[ ١٦ ]
وِالْأَهْلِ (١) وَالصَّحْب والذي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فرَّق أبو هلال العسكري في "معجم الفروق اللغوية" بين معنى العترة، والآل، والأهل حيث قال: [الفرق بين العترة والآل: أن العترة على ما قال المبرد: " النصاب، ومنه عترة فلان أي منصبه "، وقال بعضهم: " العترة أصل الشجرة الباقي بعد قطعها قالوا فعترة الرجل أصله "، وقال غيره: " عترة الرجل أهله وبنو أعمامه الأدنون " واحتجوا بقول أبي بكر ﵁ عن عترة رسول الله - صلى الله عليه [وآله] وسلم - يعني قريشا فهي مفارقة للآل على كل قول لان الآل هم: الأهل والأتباع، والعترة هم: الأصل في قول والأهل وبنو الأعمام في قول آخر]. وقال أيضًا: [الفرق بين الأهل والآل: أن الأهل يكون من جهة النسب والاختصاص، فمن جهة النسب قولك: أهل الرجل لقرابته الأدنين، ومن جهة الاختصاص قولك أهل البصرة، وأهل العلم، والآل خاصة الرجل من جهة القرابة، أو الصحبة تقول: آل الرجل لأهله وأصحابه، ولا تقول آل البصرة وآل العلم، وقالوا: آل فرعون أتباعه، وكذلك آل لوط، وقال المبرد: إذا صغرت العرب الآل قالت أهل، فيدل على أن أصل الآل الأهل، وقال بعضهم: الآل عيدان الخيمة وأعمدتها، وآل الرجل مشبهون بذلك لأنهم معتمده، والذي يرفع في الصحارى آل لأنه يرتفع كما ترفع عيدان الخيمة، والشخص آل لأنه كذلك.] وانظر أيضًا جلاء الأفهام لابن القيم (ص/٢٠٣: ٢٠٩) لبيان وجوه التفريق بين: الآل، والأهل. إلا أن ظاهر صنيع ما وقفت عليه من كلام العلماء التسوية بين المعاني الاصطلاحية لـ: العترة، وأهل البيت، وآل النبي. وقد اختلف العلماء في المراد بالآل على أقوال كثيرة ذكرها ابن القيم في جلاء الأفهام (ص/٢١٠)، وما بعدها، وغيره، وأقوى الأقوال عندى ما رحجه الشيخ: عبد المحسن بن حمد العباد البدر في رسالته: "فضلُ أهل البيت وعلوُّ مكانتِهم عند أهل السُّنَّة والجماعة"حيث قال: [القولُ الصحيحُ في المرادِ بآل بيت النَّبِيِّ - ﷺ - هم مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ، وهم أزواجُه وذريَّتُه، وكلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نَسْل عبدالمطلب، وهم بنُو هاشِم بن عبد مَناف؛ قال ابن حزم في جمهرة أنساب العرب (ص:١٤): (وُلِد لهاشم بن عبد مناف: شيبةُ، وهو عبدالمطلب، وفيه العمود والشَّرف، ولَم يبْقَ لهاشم عَقِبٌ إلَاّ مِن عبدالمطلب فقط).
[ ١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وانظر عَقِبَ عبدالمطلب في: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص:١٤ - ١٥)، والتبيين في أنساب القرشيِّين لابن قدامة (ص:٧٦)، ومنهاج السنة لابن تيمية (٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، وفتح الباري لابن حجر (٧/ ٧٨ - ٧٩). ويدلُّ لدخول بنِي أعمامه في أهل بيته ما أخرجه مسلم في صحيحه (١٠٧٢) عن عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب أنَّه ذهب هو والفضل بن عباس إلى رسول الله - ﷺ - يطلبان منه أن يُولِّيهما على الصَّدقةِ ليُصيبَا مِن المال ما يتزوَّجان به، فقال لهما - ﷺ -: «إنَّ الصَّدقة لا تنبغي لآل محمد؛ إنَّما هي أوساخُ الناس»، ثمَّ أمر بتزويجهما وإصداقهما من الخمس. وقد ألْحَق بعضُ أهل العلم منهم الشافعي وأحمد بنِي المطلب بن عبد مَناف ببَنِي هاشم في تحريم الصَّدقة عليهم؛ لمشاركتِهم إيَّاهم في إعطائهم من خمس الخُمس؛ وذلك للحديث الذي رواه البخاري في صحيحه (٣١٤٠) عن جُبير بن مُطعم، الذي فيه أنَّ إعطاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - لبَنِي هاشم وبنِي المطلب دون إخوانِهم من بنِي عبد شمس ونوفل؛ لكون بنِي هاشم وبَنِي المطلب شيئًا واحدًا. فأمَّا دخول أزواجه ﵅ في آلِه - ﷺ -، فيدلُّ لذلك قول الله ﷿: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنءَايَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، فإنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على دخولِهنَّ حتمًا؛ لأنَّ سياقَ الآيات قبلها وبعدها خطابٌ لهنَّ، ولا يُنافي ذلك ما جاء في صحيح مسلم (٢٤٢٤) عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: «خرج النَّبِيُّ - ﷺ - غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل من شَعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمَّ جاء الحُسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾»؛ لأنَّ الآيةَ دالَّةٌ على دخولِهنَّ؛ لكون الخطابِ في الآيات لهنَّ، ودخولُ عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ في الآيةِ دلَّت عليه السُّنَّةُ في هذا الحديث، وتخصيصُ النَّبِيِّ - ﷺ - لهؤلاء الأربعة ﵃ في هذا الحديث لا يدلُّ على قَصْرِ أهل بيته عليهم دون القرابات الأخرى، وإنَّما يدلُّ على أنَّهم مِن أخصِّ أقاربه وزوجاتُه - ﷺ - داخلاتٌ تحت لفظ «الآل»؛ لقوله - ﷺ -: «إنَّ الصَّدقةَ لا تَحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآل محمَّد»، ويدلُّ لذلك أنَّهنَّ يُعطَيْن من الخُمس، وأيضًا ما رواه ابن أبي شيبة في مصنّفه (٣/ ٢١٤) بإسنادٍ صحيح عن ابن أبي مُلَيكة: «أنَّ خالد بنَ سعيد بعث إلى عائشةَ ببقرةٍ من الصَّدقةِ فردَّتْها، وقالت: إنَّا آلَ محمَّدٍ - ﷺ - لا تَحلُّ لنا الصَّدقة».
[ ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ومِمَّا ذكره ابن القيِّم في كتابه «جلاء الأفهام» (ص:٣٣١ - ٣٣٣) للاحتجاج للقائلِين بدخول أزواجه - ﷺ - في آل بيته قوله: «قال هؤلاء: وإنَّما دخل الأزواجُ في الآل وخصوصًا أزواجُ النَّبِيِّ - ﷺ - تشبيهًا لذلك بالنَّسَب؛ لأنَّ اتِّصالَهُنَّ بالنَّبِيِّ - ﷺ - غيرُ مرتفع، وهنَّ محرَّماتٌ على غيرِه في حياتِه وبعد مَمَاتِه، وهنَّ زوجاتُه في الدنيا والآخرة، فالسَّببُ الذي لهنَّ بالنَّبِيِّ - ﷺ - قائمٌ مقامَ النَّسَب، وقد نصَّ النَّبِيُّ - ﷺ - على الصلاةِ عليهنَّ، ولهذا كان القولُ الصحيح - وهو منصوص الإمام أحمد ﵀ أنَّ الصَّدقةَ تحرُمُ عليهنَّ؛ لأنَّها أوساخُ الناسِ، وقد صان اللهُ سبحانه ذلك الجَنَابَ الرَّفيع، وآلَه مِن كلِّ أوساخِ بَنِي آدَم. ويا لله العجب! كيف يدخلُ أزواجُه في قوله - ﷺ -: (اللَّهمَّ اجعل رزقَ آل محمَّد قوتًا)، وقوله في الأضحية: (اللَّهمَّ هذا عن محمد وآل محمد)، وفي قول عائشة ﵁: (ما شبع آلُ رسول الله - ﷺ - من خُبز بُرٍّ)، وفي قول المصلِّي: (اللَّهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد)، ولا يَدخُلْنَ في قوله: (إنَّ الصَّدقة لا تَحلُّ لمحمَّد ولا لآل محمَّد)، مع كونِها من أوساخِ الناس، فأزواجُ رسولِ الله - ﷺ - أولى بالصِّيانةِ عنها والبُعدِ منها؟! فإن قيل: لو كانت الصَّدقةُ حرامًا عليهنَّ لَحَرُمت على مواليهنَّ، كما أنَّها لَمَّا حرُمت على بَنِي هاشِم حرُمَت على موالِيهم، وقد ثبت في الصحيح أنَّ بريرةَ تُصُدِّق عليها بلَحمٍ فأكلته، ولَم يُحرِّمه النَّبِيُّ - ﷺ -، وهي مولاةٌ لعائشة ﵂. قيل: هذا هو شبهةُ مَن أباحَها لأزواج النَّبِيِّ - ﷺ -. وجوابُ هذه الشُّبهةِ أنَّ تحريمَ الصَّدقةِ على أزواجِ النَّبِيِّ - ﷺ - ليس بطريق الأصالةِ، وإنَّما هو تَبَعٌ لتَحريمها عليه - ﷺ -، وإلَاّ فالصَّدقةُ حلالٌ لهنَّ قبل اتِّصالِهنَّ به، فهنَّ فرعٌ في هذا التحريمِ، والتحريمُ على المولَى فرعُ التَّحريمِ على سيِّدِه، فلمَّا كان التَّحريمُ على بَنِي هاشِم أصلًا استتبَع ذلك مواليهم، ولَمَّا كان التَّحريمُ على أزواجِ النَّبِيِّ - ﷺ - تَبَعًا لَم يَقْوَ ذلك على استِتْبَاعِ مواليهنَّ؛ لأنَّه فرعٌ عن فرعٍ. قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وساق الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنءَايَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ﴾، ثم قال: فدخَلْنَ في أهل البيت؛ لأنَّ هذا الخطابَ كلَّه في سياق ذِكرهنَّ، فلا يجوز إخراجُهنَّ مِن شيءٍ منه، والله أعلم». ويدلُّ على تحريم الصَّدقة على موالِي بَنِي هاشِم ما رواه أبو داود في سننه (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي (٢٦١١) بإسنادٍ صحيح - واللفظ لأبي داود - عن أبي رافع: «أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بعث رجلًا على الصَّدقة مِن بَنِي مخزوم، فقال لأبي رافع: اصْحَبنِي فإنَّك تُصيبُ منها، قال: حتى آتِي رسولَ الله - ﷺ - فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: مولَى القوم مِن أنفسِهم، وإنَّا لا تَحِلُّ لنا الصَّدقة».]. وانظر أيضًا جلاء الأفهام (ص/٢١٠) وما بعدها، ومقالة: " آلُ البَيْتِ" للشيخ: عثمان الخميس.
[ ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . تَلَاهُمْ بِإِحْسَانٍ (١) إِلَى آَخِرِ الدَّهْرِ