مثال ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون]. وقوله تعالى ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران] فهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء.
وكذا التوسل بالإيمان بالرسول ﷺ كأن يقول العبد اللهم إني أسألك بإيماني برسولك محمد ﷺ أن تعطني كذا، أو تدفع عني كذا.
وكذا التوسل باتباعه وطاعته ﷺ فيما جاء به من ربه ﷿.
وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد في كل حال باطنًا وظاهرًا، في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته، في مشهده ومغيبة، ولا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال - بعد قيام الحجة عليه - ولا بعذر من الأعذار، ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته (^١).
فإذا توسلنا إلى الله بإيماننا بنبينا ومحبته ومولاته واتباع سنته فهو من أعظم الوسائل.
فالأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا، فإذا توسلنا إلى الله بالأعمال الصالحة كنا متوسلين إليه بوسيلة كما قال تعالى ﴿يَا أيُّهَا
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٣ - ٤).
[ ٣٠٧ ]
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] فالوسيلة هي الأعمال الصالحة.
أما سؤال الله بمجرد ذات النبي فغير مشروع، لأننا إذا توسلنا إلى الله بنفس ذاته لم يكن في نفس ذاته سبب يقتضى إجابة دعائنا ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبي ﷺ نقلا صحيحًا ولا متواترًا ولا مشهورًا عن السلف. فنحن إنما ننتفع باتباعنا له ومحبتنا له، وهو له عند الله من الدرجة والمنزلة أمر يعود نفعه إليه، فالتوسل به من غير متابعة له في الأعمال لا يجوز أن يكون وسيلة (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا يتوسل إلى الله بمجرد ذات أحد من خلقه من غير دعاء من المتوسل به ولا طاعة من المتوسل".
والداعي إنما ينتفع من وجهين:
إما بدعاء الرسول له، أو بإيمان الداعي به وطاعته ومحبته.
فإذا كان الرسول ﷺ لم يدع له، وهو لم يؤمن به، لم ينتفع بالرسول ﷺ. فأبو طالب مع كفره لمَّا كان يحوط الرسول ويمنعه شفع فيه حتى خفف عنه العذاب، وقد كان في غمرة من النار، فلما شفع فيه صار في ضحضاح من النار، وفي رجليه نعلان من النار يغلي منهما دماغه، ولولاه لكان في الدرك الأسفل من النار هكذا رواه مسلم في صحيحه (^٢) فانتفع به مع كفره في تخفيفه عذابه بأن شفع فيه.
والإيمان به نافع لمن آمن وإن لم تحصل معه شفاعة.
فهذان السببان هما اللذان ينفعان العبد من سيد الخلق ﷺ.
وأما مجرد توسل العبد بذاته أو إقسامه به بدون هذين السببين
_________________
(١) الرد على البكري (ص ٤٠) بتصرف.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه (٢٠٩).
[ ٣٠٨ ]
فلا ينفعه أصلا" (^١).
فالوسيلة لون العباد وبين ربهم ﷿ هي الإيمان بالرسل وطاعتهم قال تعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] وقال تعالى ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن] فالله تعالى يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ومحبته وطاعته وموالاته.