(موضوع) …
قال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢١٢): رواه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ٢٢٢) عن سهل بن سعد مرفوعًا، وقال: وضعه سليمان بن عمرو.
وقد رواه ابن أبي الدنيا عن أنس -﵁- مرفوعًا.
وفي إسناده: عنبسه بن عبد الرحمن القرشي، متروك.
ورواه البيهقي في "الشعب" من طريقه. وقال: إسناده ضعيف. وكذلك اقتصر العراقي في "تخريج الإحياء" على تضعيفه.
ورواه الدارقطني عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا وقال: تفرد به حفص بن عمر الأيلي، وهو ضعيف. اهـ (الشوكاني).
والحديث ورد بألفاظ أخرى كلها لا تصح.
قلت: وقد نصَّ جمع من العلماء على بطلان هذا الحديث، منهم:
(١) ابن عدي.
[ ١ / ٧٦ ]
(٢) البيهقي.
(٣) العراقي.
(٤) الدارقطني.
(٥) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٣٤٢) رقم (١٥٨٣، ١٥٨٤).
(٦) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٧٥) رقم (٨٠٤).
(٧) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة " (٢/ ٢٥٦).
(٨) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٢٢٩) رقم (٥٧).
(٩) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٢١).
(١٠) السمهودي في "الغماز على اللماز" (١٩٣).
(١١) الصالحي في "الشذرة" (٦٨٧).
(١٢) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٦٩).
(١٣) البيروتي في "أسنى المطالب" (١٠٧٦).
(١٤) الصعدي في "النوافح العطرة" (١٣٩٧).
(١٥) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢١٢).
(١٦) العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٥١٨) و(١٥١٩) و(١٥٢٠).
[ ١ / ٧٧ ]
التعليق:
قلت: الغِيبة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب العزيز:
فقوله تعالى ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ ﴿الحجرات: ١٢﴾.
وأما السنة المطهرة:
فقوله -ﷺ-: (الربا اثنان وسبعون بابًا أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربا الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) (^١).
وأما الإجماع: فقد قال القرطبي -﵀-: والإجماع على أنها من الكبائر وأنه يجب التوبة منها.
وقال ابن كثير -﵀-: في تفسير سورة الحجرات: الغيبة محرمة بالإجماع.
أما مسألة كفارة من اغتبته فإليك كلام الإمام النووي (^٢) -﵀-: فيها حيث قال: (باب كفارة الغيبة والتوبة منها):
_________________
(١) رواه الطبراني في "الأوسط" عن البراء -﵁- وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٣٥٣٧) و"الصحيحة" (١٨٧١).
(٢) "الأذكار" (ص: ٤٢٩ - ٤٣١).
[ ١ / ٧٨ ]
اعلم أن كل من ارتكب معصية لزمه المبادرة إلى التوبة منها، والتوبة من حقوق الله تعالى يُشترط فيها ثلاثة أشياء: أن يقلع عن المعصية في الحال، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم ألا يعود إليها.
والتوبة من حقوق الآدميين يُشترط فيها هذه الثلاثة، ورابع: وهو رد الظلامة إلى صاحبها أو طلب عفوه عنها والإبراء منها، فيجب على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة، لأن الغيبة حق آدمي، ولا بد من استحلاله من اغتابه، وهل يكفيه أن يقول: قد اغتبتك فاجعلني في حل، أم لا بد أن يبين ما اغتابه به؟
فيه وجهان لأصحاب الشافعي -﵏-:
أحدهما: يشترط بيانه، فإن أبرأه من غير بيانه لم يصح، كما لو أبرأه عن مال مجهول.
والثاني: لا يشترط لأن هذا مما يتسامح فيه، فلا يشترط علمه بخلاف المال. والأول أظهر، لأن الإنسان قد يسمح بالعفو عن غيبة دون غيبة، فإن كان صاحب الغيبة ميتًا أو غائبًا فقد تعذر تحصيل البراءة منها.
لكن قال العلماء: ينبغي أن يكثر من الاستغفار له والدعاء ويكثر من الحسنات.
[ ١ / ٧٩ ]
اعلم أنه يستحب لصاحب الغيبة أن يبرئه منها ولا يجب عليه ذلك لأنه تبرع وإسقاط حق، فكان إلى خيرته، ولكن يستحب له استحبابًا متأكدًا الإبراء ليخلص أخاه المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوز هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله ﷾، قال الله تعالى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ ﴿آل عمران: ١٣٤﴾ وطريقه في تطبيب نفسه بالعفو أن يذكِّر نفسه أن هذا الأمر قد وقع، ولا سبيل إلى رفعه، فلا ينبغي أن أفوت ثوابه وخلاص أخي المسلم، وقد قال الله تعالى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ ﴿الشورى: ٤٣﴾ وقال تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ﴿الأعراف: ١٩٩﴾.
والآيات بنحو ما ذكرنا كثيرة.
وفي الحديث الصحيح أن رسول الله -ﷺ- قال: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) (^١).
وقد قال الشافعي -﵀-: من استرضي فلم يرضَ فهو شيطان.
وقد أنشد المتقدمون:
قِيلَ لي: قد أساء إليك فلان … ومقام الفتى على الذل عار
قلت: قد جاءنا وأحدث عذرا … دية الذنب عندنا الاعتذار
_________________
(١) رواه مسلم.
[ ١ / ٨٠ ]
فهذا الذي ذكرناه من الحث على الإبراء عن الغيبة هو الصواب.
وأما ما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا أحلل من ظلمني.
وعن ابن سيرين: لم أحرمها عليه فأحللها له، لأن الله تعالى حرم الغيبة عليه، وما كنت لاحلل ما حرمه الله تعالى أبدًا، فهو ضعيف أو غلط، فإن المبرئ لا يحلل محرمًا، وإنما يسقط حقًا ثبت له، وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على استحباب العفو وإسقاط الحقوق المختصة بالمسقط، أو يحمل كلام ابن سيرين على أني لا أبيح غيبتي أبدًا، وهذا صحيح فإن الإنسان لو قال: أبحت عرضي لمن اغتابني لم يصر مباحًا، بل يحرم على كل أحد غيبة غيره.
وأما الحديث: (أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال إني تصدقت بعرضي على الناس) (^١).
فمعناه: لا أطلب مظلمتي ممن ظلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا ينفع في إسقاط مظلمة كانت موجودة قبل الإبراء.
فأما ما يحدث بعده، فلا بد من إبراء جديد بعدها، وبالله التوفيق. اهـ.
قلت: وقد ذكر العلماء أنه يُستثنى من الغيبة ما يلي:
_________________
(١) رواه أبو داود وابن السني من حديث أنس -﵁-، وضعفه الألباني في "الإرواء" (٢٣٦٦) و"ضعيف الجامع" (٢١٨٥).
[ ١ / ٨١ ]
• التظلم، كالتظلم للسلطان والقاضي.
• الاستفتاء، كأن يقول للمفتي ظلمني فلان.
• الاستعانة على تغيير منكر أو رفع بلاء عن مسلم.
• تحذير المسلمين ونصحهم من أصحاب الشر، وممن يضر بالمسلمين.
• ذكر المجاهر بما فيه، أو صاحب البدعة ببدعته ليعرفه الناس ويحذروه.
• التعريف إن كان الإنسان معروفًا بلقب معين كالأعرج والأصم والأعمى.
قال النووي -﵀-: وأكثر هذه الأسباب مجمع على جواز الغيبة بها (^١).
وقد جاءت هذه الأمور في بيتين من الشعر:
القدحُ ليس بغيبة في ستةٍ … متظلمٍ ومعرِّفٍ ومحذرِ
ولمظهرٍ فسقًا ومستفتٍ ومن … طلب الإعانة في إزالة منكر (^٢)
تنبيه:
لكن تجد الكثير من الناس يتكلم في أعراض المسلمين، بدون روية، أو ضوابط شرعية، بحجة النصيحة، أو الجرح والتعديل، أو الأمر بالمعروف
_________________
(١) "الأذكار" (ص: ٤٢٣ - ٢٢٥).
(٢) "سبل السلام" (٤/ ٣٧٠).
[ ١ / ٨٢ ]
والنهي عن المنكر، أو الغيرة على الدين، وفي حقيقة الأمر الكلام يكون لأمراض نفسية، وقضايا شخصية، وشهوة خفية، لا يعلم بها إلا رب البرية، فبالهوى والإعجاب يقدح، وبالهوى والإعجاب يمدح، فمن تأمل كثيرًا من أَلْسِنَة هؤلاء وجدها نارًا محرقةً، وأفاعي تلدغ وتدمر، ولا تُعَمِّر، ويالها من ألسنة تزرع الهموم، وتثمر الغموم، وتحصد الشرور، فنعوذ بالله من الهوى والغرور.
فالجرح أمر صعب، يحتاج فيه إلى أقصى درجة من التدين والورع والتقوى والاحتياط، كما قال المباركفوري -﵀-.
ألا فليتق الله المرء، وليراقب الذي يعلم السر وأخفى، وليعلم أنه محاسب على كل كلمة ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ ﴿ق: ١٨﴾ وليدع هذا الباب لأهله وفرسانه، من العلماء الأتقياء أهل الورع والدين، وليشغل نفسه بأولويات العلم، وأبجديات الطلب، وإصلاح نفسه فالقيام بهذا الأمر أمر كفائي إذا قام به ما يكفي سقط عن الآخرين، كما قرر ذلك علماء الإسلام.
[ ١ / ٨٣ ]