تعريفه: قال النووي ﵀: "هو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرًا، فَيُوَفَّقُ بينهما أو يرجَّح أحدهما"١.
أقسامه: ينقسم مختلف الحديث إلى قسمين:
أحدهما: أن يمكن الجمع بين الحديثين، فَيَتَعَيَّن حينئذ المصير إلى ذلك، والقول بهما جميعًا.
الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمعُ بينهما، وهذا يكون على ضربين:
١- أن يظهر كون أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، فَيُعْمَلُ بالناسخ ويَتْرَكُ المنسوخ.
٢- أن لا تقوم دلالة على النسخ، فَيُصَارُ إلى ترجيحِ أحدهما على الآخرِ بوجه من وجوه الترجيح٢.
فَتَبَيَّنَ من ذلك: الخطوات التي ينبغي أن تسلك فيما ظاهره التعارض، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "فصار ما ظاهره التعارض واقعًا على هذا الترتيب:
_________________
(١) ١ التقريب: (ص٣٣) . ٢ انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص ١٤٣)، والتدريب: (٢/١٩٦- ١٩٨) .
[ ١ / ٥٠١ ]
- الجمع إن أمكن،
- فاعتبار الناسخ والمنسوخ،
- فالترجيح إن تعين،
- ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين"١.
وقد بَيَّنَ ابن القَيِّم - ﵀ - أنَّ الأحاديث التي ظاهرها التعارض لا تخرج عن أحد ثلاث حالات، فقال: "فإذا وقع التعارض:
- فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ﷺ، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتًا، فالثقة يغلط.
- أو يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر إذا كان مما يقبل النسخ.
- أو يكون التعارض في فهم السامع، لا في نفس كلامه ﷺ.
فلابد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة"٢.
فقد بَيَّنَ ابن القَيِّم - ﵀ - بهذه القسمة العقلية أن الحديثين إذا وقع بينهما تعارض: فإما أن يكون النبي ﷺ قد قالهما، أو أن أحدهما لا يكون من كلامه، ويكون أحد الرواة غلط فجعله من كلامه، كمن يرفع الموقوف أو يزيد لفظة ليست من كلامه ﷺ، ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ نزهة النظر: (ص ٣٩) . ٢ زاد المعاد: (٤/١٤٩) .
[ ١ / ٥٠٢ ]
فإذا ثبت أن أحد الخبرين ليس من كلامه فلا إشكال، فإن الضعيف لا يُعَارَضُ به الثابت الصحيح.
وأما إذا ثبت أن النبي ﷺ قالهما جميعًا: فإنه ينظر في نسخ أحدهما بالآخر إذا ثبت تأخر أحدهما. فإن لم نجد سبيلًا إلى نسخ أحدهما بالآخر، فإنه يتعين الجمع بينهما، وحينئذ لا يكون هناك تعارض في واقع الأمر، وإنما التعارض في فهم السامع.
شرط وقوع التعارض:
لابد للحكم على حديثين بالتعارض، وجعلهما من باب مختلف الحديث: أن يكون كل منهما مُحْتَجًّا به، أما إن كان أحدهما لا يُقْبَلُ بحال، فإنه لا يُعَارَضُ به القوي؛ إذ إنه - والحالة هذه - لا أَثَر له.
وقد بين ابن القَيِّم - ﵀ - ذلك وأكده، فقال: "لا يجوز معارضة الأحاديث الثابتة بحديث من قد أجمع علماء الحديث على ترك الاحتجاج به"١.
وقال: "ومعارضة الأحاديث الباطلة للأحاديث الصحيحة لا توجب سقوط الحكم بالصحيحة، والأحاديث الصحيحة يصدق بعضها بعضًا"٢.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٦/٣٢٤) . ٢ أحكام أهل الذمة: (٢/٦٤١) .
[ ١ / ٥٠٣ ]
ذِكْرُ بعض وجوه الترجيح التي استعملها ابن القَيِّم ﵀:
فمن وجوه الترجيح التي استعملها عند التعارض، أو أشار إليها:
١- أن يكون رواة أحد الخبرين من أهل الرجل - صاحب القصة - وخاصته، فإنهم أعلم به من غيرهم، فيقدم خبرهم.
قال ابن القَيِّم - ﵀ - في قصة توبة كعب بن مالك وانخلاعه من ماله، وقول النبي ﷺ له: "أمسك عليك بعض مالك" من غير تعيين لقدره، وما عارض ذلك من أنه عَيَّنَ له الثلث، قال مُقَدِّمًا رواية عدم التعيين:
"فإن الصحيح ما رواه أصحاب الصحيح من حديث الزهري، عن ولد كعب بن مالك، عنه وهم أعلمُ بالقصةِ من غيرهم؛ فإنهم وَلَدُهُ، وعنه نقلوها"١.
وقال في حديث جابر ﵁ في قصة الصلاة على شهداء أحد: "وحديث جابر بن عبد الله في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح، وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ، فله من الخبرة ما ليس لغيره"٢.
٢- أن يكون عمل الصحابة أو أكثرهم - ولاسيما الخلفاء
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٣/٥٨٦ - ٥٨٧) . ٢ تهذيب السنن: (٤/٢٩٦) .
[ ١ / ٥٠٤ ]
الراشدين - موافقًا لأحد الخبرين، فيقدم على ما لم يكن كذلك.
قال أبو داود ﵀: "إذا تنازع الخبران عن النبي ﷺ، ينظر بما أخذ به أصحابه"١.
قال ابن القَيِّم في ترجيحه أحاديث المزارعة على غيرها: "الأحاديث إذا اختلفت عن النبي ﷺ، فإنه ينظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده، وقد تقدم ذكر عمل الخلفاء الراشدين، وأهليهم، وغيرهم من الصحابة بالمزارعة"٢.
وقال عند الكلام على أحاديث نقض الوضوء بمس الذَّكَر: "لو قُدِّر تعارض الخبرين من كل وجه، لكان الترجيح لحديث النقض؛ لقول أكثر الصحابة به: منهم: عمر بن الخطاب، وابنه، وأبو أيوب الأنصاري، وزيد بن خالد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة بنت صفوان ﵃ "٣.
قال الحازمي - ﵀ - في وجه الترجيح بعمل الصحابة والخلفاء: " فيكون إلى الصحة أقرب، والأخذ به أصوب"٤.
_________________
(١) ١ السنن: (٢/٤٢٨) . ٢ تهذيب السنن: (٥/٦٠) . ٣ تهذيب السنن: (١/١٣٥) . ٤ الاعتبار: (ص١٩) .
[ ١ / ٥٠٥ ]
٣- أن يكون أحد الخبرين جاء بالشك، والآخر مجزومًا به، فَتُقَدَّم روايةُ الجازم على رواية الشاكِّ.
قال ابن القَيِّم في حديث تعريف اللُّقَطَة، وتقديم الرواية التي فيها التعريف سَنَة، على حديث أُبَيٍّ الذي فيه: أن التعريف ثلاث سنين: "ووقع الشك في رواية حديث أُبَيِّ بن كعب أيضًا: هل ذلك في سنة أو في ثلاث سنين؟ وفي الأخرى: عامين أو ثلاثة؟ فلم يجزم، والجازم مَقَدَّمٌ"١.
وقال عند الكلام على رمي الجمرة، وقول ابن عباس ﵁: "ما أدري أَرَمَاهَا رسول الله ﷺ بست أو بسبع؟: "قد صح عن رسول الله ﷺ أنه رمى الجمرة بسبع حصيات من رواية: ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر. وشكُّ الشاكِّ لا يُؤَثِّرُ في جَزْمِ الجازم"٢.
٤- تقديم ما أخرجاه في "الصحيحين" أو أحدهما على ما لم يُخَرَّجْ فيهما٣.
قال ابن القَيِّم - ﵀ - في قصة صلاة معاذ بقومه وتطويله عليهم:
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٢/٢٦٨) . ٢ تهذيب السنن: (٢/٤١٧ - ٤١٨) . ٣ وقد ذكر العراقي ذلك من المرجحات، التقييد والإيضاح: (ص ٢٨٩) .
[ ١ / ٥٠٦ ]
"الذي في الصحيحين: أنه قرأ سورة البقرة وقصة قراءته بـ (اقتربت) لم تُذْكَر في الصحيح، والذي في الصحيح أولى بالصحة منها"١.
٥- تقديم خبر الْمُثْبتِ على خبرِ النَّافي؛ لأن المثبت معه زيادة علم خَفِيَتْ على النافي.
قال ابن القَيِّم في حديث جابر في الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامتين، وما جاء في حديث أسامة بن زيد من قوله: "أُقِيْمت الصلاة فصلَّى المغرب ثم أقَيِّمت العشاء فصلاها" قال في حديث أسامة هذا: " وسكت عن الأذان بل لو نفاه جملة، لَقُدِّمَ عليه حديث من أَثْبَتَهُ؛ لِتَضَمُّنِهِ زيادة خفيت على النافي"٢.
وقال - ﵀ - في الأحاديث التي تثبت سجوده ﷺ في المفصل، والأحاديث التي تنفي ذلك: "فلو تعارض الحديثان من كل وجه، وتقاوما في الصحة، لَتَعَيَّنَ تقديم حديث أبي هريرة؛ لأنه مثبتٌ معه زيادةُ علمٍ خفيت على ابن عباس"٣.
٦- أن يكون أحد الحديثين قد اختلفت الرواية فيه، والآخر لم
_________________
(١) ١ الصلاة: (ص ١٩١ - ١٩٢) . ٢ تهذيب السنن: (٢/٤٠٢) . ٣ زاد المعاد: (١/٣٦٤) .
[ ١ / ٥٠٧ ]
تختلف، فَيُقَدَّمُ الذي لم يختلف على غيره١.
قال ابن القَيِّم - ﵀ - في ترجيح حديث بُسْرَة في نقض الوضوء بِمَسِّ الذَّكَر على حديث طَلْق في عدم النقض:
"أن طلقًا قد اختلفت الرواية عنه، فروي عنه: "هل هو إلا بضعة منك؟ " وروى أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه مرفوعًا: "من مسَّ فرجه فليتوضأ"" ٢
٧- الترجيح بكثرة عدد الرواة لأحد الخبرين.
قال الحازمي: "وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو التواتر"٣. وقال السيوطي: "لأن احتمال الكذب والوهم على الأكثر أبعد من احتماله على الأقل"٤.
وقد رَجَّحَ ابن القَيِّم - ﵀ - بالكثرة، فقال في أحاديث النقض بمس الذكر أيضًا: "أن رواة النقض أكثر فإنه من رواية: بسرة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وأبي أيوب، وزيد بن خالد"٥.
وبعد، فهذه أبرز الْمُرَجِّحَات التي وقفتُ عليها في كلامِ ابن القَيِّم وأبحاثه في الترجيح بين الأخبار.
_________________
(١) ١ وانظر: الاعتبار: (ص١٥) . ٢ تهذيب السنن: (١/١٣٥) . ٣ الاعتبار: (ص١١) . ٤ تدريب الراوي: (٢/١٩٨) . ٥ تهذيب السنن: (١/١٣٥) .
[ ١ / ٥٠٨ ]