وَأَمَّا مَا يَجْرِي مِنَ الْمُسْتَمِعِينَ فَمِنْ ذَلِكَ التَّخْبِيطِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْوَجْدُ، وَتَخْرِيقِ الثِّيَابِ، وَاللَّطْمِ عَلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ. فَتَرَى الْوَاجِدَ بِزَعْمِهِ يَسْتَغِيثُ، وَيُخَرِّقُ ثِيَابَهُ، وَيَقَعُ عَلَى النَّاسِ. وَمَا جرى مثل هَذَا لأَصْحَاب رَسُول الله - وَقَدْ كَانُوا أَصْفَى قُلُوبًا وَأَصْلَحُ أَعْمَالًا.
١٦١ - أَخْبَرَنَا عبد الله بن عَليّ المقرىء قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَاسِرٍ أَحْمَدُ بْنُ بُنْدَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا [مُحَمَّدُ] بْنُ عُمَرَ بْنِ بَكِيرٍ النَّجَّارُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الضَّرِيرُ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن قَالَ: قلت لأسماء بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؟ / قَالَتْ: كَانُوا كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ - ﷿ - تَدْمَعُ عُيُونُهُمْ وَتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ. فَقُلْتُ لَهَا: إِنَّ هَاهُنَا رِجَالًا إِذَا قرىء عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ غُشِيَ عَلَيْهِمْ. فَقَالَتْ:
[ ٢٩٩ ]
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ حَيِّزِ التَّمَاسُكِ إِلَى حَيِّزِ / الطَّرَبِ وَالتَّهَوُّرِ فِتَنٌ دَخَلَتْ عَلَى الْعُقُول (من غلبات الطباع وَإِنَّمَا حَظُّ الْعُقُولِ) مِنَ الْحَقَائِقِ التَّلَقِّي بِالْفُهُومِ وَالْجُمُودِ الَّذِي لَا انخراع مَعَه. وَقد قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصتُوا) وَقَالَ: (يَمْشُونَ على الأَرْض هونا) .
فَأَمَّا التَّخَبُّطُ وَتَخْرِيقُ الثِّيَابِ وَالصِّيَاحُ فَلَيْسَ مِنْ قَانُونِ الشَّرْعِ. وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِخَفْضِ الصَّوْتِ وَغَضِّهِ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى (إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحمير) . وَنَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ. وَهَلْ نَهَتِ الشَّرِيعَةُ عَنْ شُرْبِ الْعُقَارِ إِلَّا لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ؟ وَإِنَّمَا الشَّرِيعَةُ وَقَارٌ وَسَدَادٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِل: إِنَّ الَّذِينَ يُمَزِّقُونَ ثِيَابَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ حِينَئِذٍ. فَقَدْ قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ: إِذَا عَلِمُوا / أَنَّ حُضُورَهُمْ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ يُوجِبُ لَهُمْ طَرَبًا يُزِيلُ عُقُولَهُمْ أَثِمُوا بِالْحُضُورِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ تَجَنُّبُهَا. هَذَا إِنْ صَدَقُوا فِي غَلَبَةِ الطَّرَبِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَذَبُوا، فَقَدْ أَفْسَدُوا مَعَ الصِّحَّةِ. فَلَا يَسْلَمُونَ فِي الْحَالين.
[ ٣٠٠ ]
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: يَقْعُدُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْحَائِطِ وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَإِنْ رَمَى نَفْسَهُ فَهُوَ مُحِقٌّ.
وَمِنْ ذَلِكَ مُزَاحَمَةِ الرِّجَالُ لِلنِّسَاءِ فِي الْمَجْلِسِ، وَرُبَّمَا اخْتَلَطُوا:
١٦٢ - وَقد روى ضَمرَة عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: إِمَامُنَا يَقُصُّ، فَيَجْتَمِعُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ. فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ رَفْعَ الْأَصْوَاتِ بِالدُّعَاءِ لَبِدْعَةٌ، وَإِنَّ مَدَّ الْأَيْدِي بِالدُّعَاءِ لَبِدْعَةٌ، وَإِنَّ اجْتِمَاعَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لَبِدْعَةٌ.
[ ٣٠١ ]