٥/٨٧-٨٨ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق إبراهيم عطوة عوض
[ ٢ / ٨٢٧ ]
حدّثنا علي بن حجر أخبرنا شريك عن أبي اليقظان، عن عدي –وهو ابن ثابت-، عن أبيه، عن جده رفعه قال: "العطاس، والنعاس، والتثاؤب في الصلاة، والحيض، والقيء، والرعاف، من الشيطان".
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك، عن أبي اليقظان. وسألت محمد بن إسماعيل عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده قلت له: ما اسم جد عدي؟ قال: لا أدري. وذكر عن يحيى بن معين قال: "اسمه دينار"١.
تخريج الحديث
أخرج الحديث سوى الترمذي:
ابن ماجه في "سننه"٢ قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا الفضل ابن دكين عن شريك بلفظ: "البزاق، والمخاط، والحيض، والنعاس في الصلاة من الشيطان".
_________________
(١) ١ سبق هذا السؤال والجواب في الحديث الرابع؛ لأن سنده هو سند هذا الحديث إلا أنه هناك قال: "وذكرت لمحمد (يعني البخاري) قول يحيى بن معين اسمه دينار، فلم يعبأ به". ٢ ١/٣١١ رقم الحديث (٩٦٩) .
[ ٢ / ٨٢٩ ]
قال في "الزوائد"١: "في إسناده أبو اليقظان، واسمه عثمان بن عمير أجمعوا على ضعفه".
وقد أورده السيوطي في "الجامع الصغير"٢، وأشار في تخريجه إلى الترمذي فقط عن دينار، وقد استدركه عليه المناوي٣ من رواية ابن ماجة فقال: "ومدار الحديث على شريك، وفيه مقال معروف، وظاهر صنيع المصنف (يعني السيوطي) أن الترمذي تفرد به عن الستة، وليس كذلك، بل رواه ابن ماجة أيضًا عن دينار المذكور" ا؟.
هكذا قال السيوطي، والمناوي "عن دينار" مع أنه ليس في رواية الترمذي، وابن ماجة التصريح باسم جد عدي دينار، أو غيره.
وقد قال المناوي٤ قبل ذلك: "أخرجه الترمذي في الاستئذان" من حديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده يرفعه. وجده قيل اسمه دينار٥، وقيل: هو دينار
_________________
(١) ١ انظر تعليق محمد فؤاد عبد الباقي على سنن ابن ماجة. ٢ ٤/٣٨١ مع فيض القدير. ٣ فيض القدير ٤/٣٨١. ٤ فيض القدير ٤/٣٨١. ٥ قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ٣/٢١٧: "دينار جد عدي بن ثابت الأنصاري قاله يحيى بن معين، وقيل اسم جده قيس، وقيل عبد الله بن يزيد الخطمي، والصحيح أن الخطمي جده لأمه، قلت: قد أشبعت القول فيه في ترجمة عدي ابن ثابت، فلا حاجة إلى تكراره" هكذا قال وصوابه ترجمة ثابت "تهذيب التهذيب" ٢/١٩ وما بعدها. وقال في "تقريب التهذيب" ١/٢٣٧: "دينار قيل: هو جد عدي بن ثابت ولا يصح/ روى له أبو داود والترمذي وابن ماجة".
[ ٢ / ٨٣٠ ]
القراظ١ (بظاء معجمة) الخزاعي المدني، تابعي، كثير الإرسال" ا؟.
الطبراني في "المعجم الكبير"، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"٢: "وعن أبي اليقظان٣، عن أبيه، عن جده يرفع الحديث قال: "العطاس، والنعاس، والرعاف، والحيض، والقيء، والتثاؤب في الصلاة من الشيطان" رواه الطبراني في الكبير. وأبو اليقظان ضعيف جدًا" ا؟.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ١/٢٣٧: "دينار أبو عبد الله القراظ: (بظاء معجمة) الخزاعي مولاهم المدني، ثقة، يرسل من الثالثة، روى له مسلم، والنسائي". ٢ ٢/٨٦. ٣ هنا سقط وهو (عن عدي بن ثابت) كما يدل عليه سند الترمذي، وابن ماجة. وأودّ أن ألفت نظر القارئ إلى نقطة مهمة، وهي ذكر الهيثمي لهذا الحديث مع كونه في الأصول التي التزم الهيثمي أن يخرج الزائد عليها، وقد أمعنت النظر في هذا فتحصل لدي جواب يمكن أن يكون صحيحًا؛ وهو أن الهيثمي لعله نقل هذا السند الناقص من الطبراني؛ ظانًا أن قوله "عن جده" فيه هو جد أبي اليقظان، وعلى هذا الاعتبار يكون أخرجه لاختلاف الصحابي فيهما.
[ ٢ / ٨٣١ ]
درجة هذا الحديث
سند هذا الحديث باستثناء شيخ الترمذي قد سبق في الحديث الرابع حديث المستحاضة، وهو سند ضعيف للآتي:-
لتفرد شريك بن عبد الله به، عن أبي اليقظان، وهو شريك بن عبد الله النخعي، الكوفي، القاضي، بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله صدوق يخطئ كثيرًا، وتغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلا فاضلا، عابدًا شديدًا على أهل البدع، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين أي ومئة، روى له البخاري تعليقًا، ومسلم، وأهل السنن الأربعة١. وتفرده مع هذه الحالة لا يقبل ولا يحتج به.
لضعف أبي اليقظان، واسمه عثمان بن عمير، وهذا بالإضافة إلى تدليسه، وقد عنعنه، واختلاطه، وغلوه في التشيع.
لجهالة والد عدي.
لجهالة جد عدي.
وقد بحثت هذه الأمور هناك بحثًا وافيًا من جميع الجوانب، فليرجع إليها من شاء. وقد قلت هناك: إن واحدًا من هذه الأمور كاف في تضعيف الحديث، كيف وقد اجتمعت فيه كلها؟
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب ١/٣٥١.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
وقد اكتفى الهيثمي في "مجمع الزوائد"١ بواحدة منها، حين قال: "رواه الطبراني في "الكبير" وأبو اليقظان ضعيف جدًا" ا؟.
وكذا فعل المناوي في "فيض القدير"٢ فذكر واحدة أخرى منها حيث قال: "ومدار الحديث على شريك، وفيه مقال معروف" ا؟.
والترمذي قد حكم بقوله "غريب" بتضعيفه، كما بيّن بقوله: "لا نعرفه إلا من حديث شريك عن أبي اليقظان"، أي أنه مما تفرد به شريك عن أبي اليقظان.
قال الألباني في تعليقه على هذا الحديث من "مشكاة المصابيح"٣: "وقال الترمذي: حديث غريب أي ضعيف، وفيه علتان: جهالة ثابت هذا، وضعف الراوي عن أبيه، وهو شريك بن عبد الله القاضي" ا؟.
هكذا قال، وضعّف الراوي عن أبيه، وهو شريك بن عبد الله ، وهو خطأ صوابه، وضعّف الراوي عن أبي اليقظان، وهو شريك؛ لأن شريكًا هو الراوي عن أبي اليقظان، وقد قال: وفيه علتان. مع أن فيه أربع علل كما هو مبين، وقد ذكر ضعف الراوي عن أبي اليقظان وهو شريك مع أنه لو ذكر ضعف أبي اليقظان لكان أولى، لأن ضعفه أشد من ضعف شريك.
_________________
(١) ١ ٢/٨٦. ٢ ٤/٣٨١. ٣ ١/٣١٦.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
ولا أدري –وقد أشار إلى جهالة والد عدي- لماذا لم يشر إلى جهالة جد عدي، مع أنه في تعليقه على حديث المستحاضة من "مشكاة المصابيح"، قال: "قد قيل في اسمه (يعني في اسم جد عدي) أقوال خمسة، وليس فيها شيء تطمئن النفس إليه" ا؟.
وسبق أن نقلته عند الكلام على الحديث الرابع، فلعله اكتفى بما ذكره هناك، وإن كان يحسن منه الإشارة إليه هنا.
ولا يخفى أن فضيلة الشيخ/ محمد ناصر الدين الألباني عالم فاضل ومحدث كبير، وقد بيّن عذره في تعليقه على مشكاة المصابيح في أكثر من مؤلف له، بأنه كان تعليقًا سريعًا اقتضته ظروف خاصة لم تمكنه من إتقانه، واستقصاء طرق الحديث كما هي عادته، وقد نمى إلى مسامعي من مصدر موثوق به أنه بصدد إعادة هذا التعليق بشكل أكمل وأجود.
كلام العلماء في هذا الحديث
قال ابن عبد البر في "الاستيعاب في أسماء الأصحاب"١: "دينار الأنصاري انفرد بالرواية عنه ابنه ثابت بن دينار، وهو جد عدي بن ثابت، حديثه عن النبي ﷺ في "المستحاضة" يضعفونه، وله حديث آخر في "القيء، والعطاس، والنعاس، والتثاؤب من الشيطان" ولا يصح إسناده".
_________________
(١) ١ ١/٤٧٦.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وقال ابن حجر في "فتح الباري"١: "سنده ضعيف".
وأورده السيوطي في "الجامع الصغير"٢، ورمز لضعفه وأقره المناوي.
وما جاء في هذا الحديث من أن الله يكره العطاس في الصلاة، يعارضه الحديث الصحيح الذي فيه محبة الله ﷿ للعطاس مطلقًا في الصلاة وخارجها، فقد روى البخاري٣ وغيره٤، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا قال: "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فحمد الله فحق عل كل مسلم سمعه أن يشمته، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فليرده ما استطاع، فإذا قال: هاء ضحك منه الشيطان" لفظ البخاري.
وقد جمع بعض العلماء بين هذين الحديثين، فخص الحديث الصحيح بالضعيف. قال ابن حجر في "فتح الباري"٥ عند حديث أبي هريرة المذكور:
"وقد ورد ما يخص بعض أحوال العاطسين، فأخرج الترمذي من طريق أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده رفعه، فساق
_________________
(١) ١ ١٠/٦٠٧. ٢ ٤/٣٨١ مع فيض القدير. ٣ صحيح البخاري ١٠/٦٠٧ مع فتح الباري. ٤ كأبي داود والترمذي والنسائي. ٥ ١٠/٦٠٧.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
شطره الأول، ثم قال: وسنده ضعيف، وله شاهد عن ابن مسعود في "الطبراني"، لكن لم يذكر النعاس، وهو موقوف، وسنده ضعيف أيضًا١
_________________
(١) ١ هذا الشاهد الذي أشار إليه ابن حجر قد ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/٨٦ فقال: وعن عبد الله بن مسعود قال: "التثاؤب، والعطاس في الصلاة من الشيطان" قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون". ولا منافاة بين قول ابن حجر "سنده ضعيف"، وقول الهيثمي "رجاله موثقون"؛ لأنه قد يكون رجاله موثقين على رأي من وثقهم، وسنده ضعيفًا؛ لانقطاع أو تدليس أو نحو ذلك، وقلت على رأي من وثقهم؛ لأن قوله "رجاله موثقون" مشعر بأن رجاله مختلف فيهم بين علماء الجرح والتعديل، بأن يكون البعض وثقهم، والبعض الآخر تكلم فيهم، وهذا قد يفيد بأن يكون من ضعّف هذا الأثر رجّح جانب تضعيف رجاله، وفي رأيي أن هذا الشاهد لا يقوى على إنقاذ حديث تالف متهالك، كحديث جد عدي مشتمل على عدة آفات. وقد قال الهيثمي عقب ذلك: "ويأتي عن ابن مسعود أثر في النعاس في الصلاة في سورة آل عمران عن شاء الله تعالى" وقد وفى بوعده فقال ٦/٣٢٨ "وعن عبد الله –يعني ابن مسعود- قال: "النعاس أمنة عند القتال من الله ﷿، والنعاس في الصلاة من الشيطان" رواه الطبراني، وفيه قيس بن الربيع وثّقه شعبة وغيره، وضعّفه جماعة. وعزاه ابن حجر في "المطالب العالية" ٣/٣١٥ لمسدد. وقد روى هذا الأثر ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٥/٣١١ عن أبي بكر بن عياش عن عامر –هو الشعبي- عن زر قال: عبد الله: "النعاس عند القتل أمنة من الله، وعند الصلاة من الشيطان، وتلا هذه الآية: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" بأسانيد متعددة منها ما رواه ٤/١٤١ عن ابن بشار فقال: حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان عن عاصم عن أبي رزين، قال: قال عبد الله: "النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان". وأثر ابن جرير هذا أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن أبي سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو نعيم، ووكيع عن سفيان به. انظر: تفسير ابن كثير ١/٤٣٧.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
ثم قال: "قال شيخنا –يعني العراقي- في "شرح الترمذي": لا يعرض هذا –يعني حديث عدي بن ثابت- حديث أبي هريرة في محبة العطاس وكراهة التثاؤب؛ لكونه مقيدًا بحال الصلاة، فقد يتسبب الشيطان في حصول العطاس للمصلي؛ ليشغله عن صلاته.
وقد يقال: إن العطاس إنما لم يوصف بكونه مكروهًا في الصلاة؛ لأنه لا يمكن رده بخلاف التثاؤب؛ ولذلك جاء في التثاؤب: "فليرده ما استطاع"، ولم يأت ذلك في العطاس" ا؟.
وقال ملا علي القارئ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"١: "والظاهر أن الجمع بين الحديثين، بأن يحمل محبة الله تعالى العطاس مطلقًا على خارج الصلاة، وكراهته مطلقا في داخل الصلاة؛ لأنه في الصلاة لا يخلو عن اشتغال بال به، وهذا الجمع كان متعينًا لو كان الحديثان مطلقين، فكيف مع التقييد بها في هذا الحديث؟ " ا؟.
وقيل "المراد من العطاس كثرته فلا ينافيه الخبر السابق إن الله يحب
_________________
(١) ١ ٣/١٥.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
العطاس؛ لأن محله في العطاس المعتدل، وهو الذي لا يبلغ الثلاث على التوالي، بدليل أنه يسن تشميته حينئذ بعافاك الله، وشفاك، الدال على أن ذلك مرض"١ ا؟.
ويقال: على جمع هؤلاء العلماء الأفاضل أنه كان من الأولى عدم إجرائه؛ لأن الحديث الضعيف لا يخصص الحديث الصحيح، فأرى أنه لا تقوم بهذا الجمع حجة على التخصيص؛ لضعف الحديث المخصص هذا مع العلم بوجود حديث ضعيف يزيل هذا التخصص، ويثبت ما نص عليه الحديث الصحيح من أن العطاس يحبه الله على إطلاقه بدون تخصيص.
فقد أخرج ابن أبي شيبة٢ عن أبي هريرة: "إن الله يكره التثاؤب، ويحب العطاس في الصلاة".
قال ابن حجر٣: "وهذا يعرض حديث عدي، وفي سنده ضعف أيضًا وهو موقوف. والله أعلم" ا؟.
ويلاحظ أن ابن حجر ذكر هذا الأثر، والكلام عليه الذي ختم به هذه المسألة تلو نقله لكلام شيخه العراقي.
وبدل أن يسقط السيوطي حديث جد عدي، وأثر ابن أبي شيبة؛ لأنهما ضعيفان تعارضا، ويأخذ بمقتضى الحديث الصحيح، فإنه جمع
_________________
(١) ١ انظر: "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" ٣/١٤ و"تحفة الأحوذي" ٨/٢٣. ٢ المصنف ٢/٤٢٨. ٣ فتح الباري ١٠/٦٠٧.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
بينهما. قال صاحب فيض القدير١: "وأجاب المؤلف –يعني السيوطي- في "فتاويه": بأن المقام مقامان مقام إطلاق، ومقام نسبي:
أما مقام الإطلاق: فإن التثاؤب والعطاس في الصلاة كلاهما من الشيطان، وعليه يحمل حديث الترمذي هذا.
وأما المقام النسبي: فإذا وقعا في الصلاة مع كونها من الشيطان؛ فالعطاس في الصلاة أحب إلى الله من التثاؤب فيها، والتثاؤب فيها أكره إليه من العطاس فيها، وعليه يحمل أثر ابن أبي شيبة، فهو راجع إلى تفاوت رتب بعض المكروه على بعض" ا؟.
_________________
(١) ١ ٤/٣٨١.
[ ٢ / ٨٣٩ ]