٢/٤٣٥ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق أحمد محمد شاكر
[ ١ / ٤٣٧ ]
حدّثنا قتيبة١ بن سعيد أخبرنا الليث بن سعد٢، عن صفوان بن سليم٣، عن أبي بسرة الغفاري٤، عن البراء بن عازب٥ قال: "صحبت رسول الله ثمانية عشر سفرًا٦، فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت
_________________
(١) ١ قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني، تقدمت ترجمته في الحديث الرابع وهو ثقة ثبت. ٢ الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات في شعبان سنة خمس وسبعين أي ومئة، روى له الجماعة. (تقريب التهذيب ٢/١٣٨) . ٣ صفوان بن سليم المدني أبو عبد الله الزهري مولاهم، ثقة، مفت عابد، رمي بالقدر، من الرابعة مات سنة اثنتين وثلاثين أي ومئة وله اثنتان وسبعون سنة، روى له الجماعة. (المصدر السابق ١/٣٦٨) . ٤ ستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى. ٥ البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، صحابي ابن صحابي، نزل الكوفة، استصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لدة، مات سنة اثنين وسبعين، روى له الجماعة. (المصدر السابق ١/١٩٤) . وانظر في ترجمته: الإصابة في تمييز أسماء الصحابة ١/١٤٢. ٦ قال أحمد شاكر في تعليقه على "سنن الترمذي" ٢/٤٣٥: "سفرًا: -بالسين المهملة والفاء مفتوحتين- وفي نسخة بحاشية ب "شهرًا" وكذلك في "التهذيب" ١٢/٢٠ وهو خطأ". ونقل الشارح (يعني المباركفوري صاحب "تحفة الأحوذي") عن العراقي قال: "كذا وقع في الأصول الصحيحة –يعني سفرًا- قال: "وقد وقع في بعض النسخ بدله شهرًا وهو تصحيف". أقول (القائل أحمد شاكر) والذي في أبي داود في نفس الحديث "سفرًا" على الصواب" ا؟. وانظر "تهذيب الكمال" ٨ ورقة ٧٩٠ فالذي يبدو أن ابن حجر تبع المزي في هذا الخطأ. وانظر أيضًا "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" ٢/٦٧ و"ذخائر المواريث" ١/١٠٦ فإن الذي فيهما "شهرًا" بدل سفرًا، وهو تصحيف كما سبق.
[ ١ / ٤٣٩ ]
الشمس١ قبل الظهر". وفي الباب عن ابن عمر "﵄".
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: "حديث البراء حديث غريب".
قال: وسألت محمدًا عنه؟ فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بسرة الغفاري، ورآه حسنًا.
وروى عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها".
وروى عنه عن النبي ﷺ: "أنه كان يتطوّع في السفر".
ثم اختلف أهل العلم بعد النبي ﷺ:
فرأى بعض أصحاب النبي ﷺ أن يتطوّع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد، وإسحاق.
ولم تر طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها ولا بعدها.
_________________
(١) ١ زاغت الشمس: أي: مالت ففاء الفيء "القاموس المحيط" ٣/١٠٧، وانظر: "مختار الصحاح"/٢٨٠.
[ ١ / ٤٤٠ ]
ومعنى من لم يتطوّع في السفر قبول الرخصة، ومن تطوّع فله في ذلك فضل كثير.
وهو قول أكثر أهل العلم: يختارون التطوع في السفر.
تخريج الحديث
روى الحديث غير الترمذي:
١- أبو داود في "سننه"١، وسكت عنه، أما المنذري٢ فإنه نقل كلام الترمذي عليه وأقره.
٢- أحمد في "مسنده"٣.
٣- البيهقي في "السنن الكبرى"٤.
٤- أبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى"٥.
البغوي في "شرح السنة"٦. بإسناده إلى الترمذي.
كلهم من طريق الليث بن سعد عن صفوان بن سليم وعند البيهقي مقرون بالليث أبو يحيى بن سليمان عن صفوان بن سليم.
_________________
(١) ١ ٢/١١. ٢ مختصر سنن أبي داود ٢/٥٨ مع شرح وتهذيب سنن أبي داود. ٣ ٤/٢٩٢. ٤ ٣/١٥٨. ٥ ورقة (٢) من الجزء الرابع. ٦ ٤/١٨٦.
[ ١ / ٤٤١ ]
وقد نقل "المباركفوري (١") عن السيوطي أنه قال في "قوت المغتذي"٢: "وليس له (يعني أبا بسرة) في الكتب إلا هذا الحديث عند المصنف وابن ماجة" ا؟.
وهذا يفيد أن ابن ماجة أخرج الحديث أيضًا.
والظاهر أنه لم يخرجه، فإنني اجتهدت في البحث عنه في المظان من "سنن ابن ماجة"، ولكن بدون جدوى، حيث لم أقف عليه.
كما استعنت بكتب التخريج إلا أنها لم تشر إلى ابن ماجة، فثبت أن عزوه إلى ابن ماجة، وهو من السيوطي، وأن المباركفوري تبعه عليه.
وبعد تحرير ذلك رأيت أحمد شاكر قال في تعليقه على "سنن الترمذي"٣: "وقد وقع عند الشارح (يعني المباركفوري) ما يفهم منه أنه رواه ابن ماجة وهو سهو، فإنه لم يروه، وليس لأبي بسرة الغفاري في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند أبي داود والترمذي" ا؟.
حكم هذا الحديث
رجال هذا الحديث ثقات إلا أبا بسرة الغفاري ففيه كلام، سوف أتطرق إليه في بحث مستقل عقب البحث في اسمه.
_________________
(١) ١ تحفة الأحوذي ٣/١١٧. ٢ مخطوط لم ترقم أوراقه. ٣ ٢/٤٣٥.
[ ١ / ٤٤٢ ]
المبحث الأول في اسم أبي بسرة
هذا الراوي "أبو بسرة الغفاري"١ مذكور بكنيته ونسبته، فهل له اسم يعرف به أو لا اسم له؟ بأن يكون عرف بكنيته ونسبته هذه، أو أن كنيته هي اسمه كما هو حال بعض الرواة.
وفي مطلع الإجابة على ذلك أقول: إن أحدًا ممن أخرج حديثه لم يسمه. وإذا حصل أن اهتم الترمذي وسأل شيخه البخاري عن اسمه فلا يستغرب؛ لأن هذا مما يهم المحدث لفوائد لا تخفى، ويشكر الترمذي بأن كان واسطة العقد بيننا وبين البخاري، حيث اطلعنا على موقف البخاري من اسم أبي بسرة، وهو أنه لم يعرف اسمه.
كما يشكر الترمذي على بنائه كتابه على مثل هذه المعلومات التي انفرد بها.
_________________
(١) ١ قال السيوطي في "قوت المغتذي" مخطوط لم ترقم أوراقه: "أبو بسرة الغفاري": -بضم الموحدة وسكون السين المهملة- تابعي لا يعرف اسمه، ولم يرو عنه غير صفوان بن سليم، إلى أن قال: "وربما اشتبه على من لم يتنبه له بأبي بصرة الغفاري -بفتح الباء وبالصاد المهملة-: وهو صحابي اسمه حميل: بضم الحاء المهملة مصغرًا" ا؟. وانظر في ترجمة أبي بصرة الغفاري "﵁": "تهذيب التهذيب" ٣/٥٦ و"تقريب التهذيب" ١/٢٠٤ و"الإصابة في تمييز أسماء الصحابة" ١/٣٥٨ و"الكنى والأسماء" لمسلم ورقة ١٧ و"مشتبه الأسماء والنسبة" ١/٨٤. وقال في "لب اللباب"/١٨٨: "الغفاري: -بالكسر وتخفيف الفاء وراء- إلى غفار بن مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة" ا؟.
[ ١ / ٤٤٣ ]
ويظهر مدى التطابق بين ما نقله الترمذي عن شيخه هنا، وما ذكره شيخه في كتاب "الكنى"١ من "تاريخه الكبير"، فإنه أورده فيه ولم يسمه.
ونعلم أن كتاب "الكنى" للبخاري، وهو جزء من "التاريخ الكبير" معظمه فيمن عرف بكنيته ولم يعرف اسمه، وقد عقّد فصلا فيه فيمن عرف بكنيته وله اسم، إلا أنه لم يورد في هذا الفصل أبا بسرة الغفاري، وهذا يدل أيضًا أنه لم يعرف اسمه، كما نقل الترمذي عنه.
والدلائل تشير إلى أن هذا الراوي لا يعرف اسمه.
فهذا ابن حبّان ذكره في كتاب "الثقات"٢، ولكن في باب الكنى. وكذا هو في "تهذيب الكمال"٣، وما يتبعه من الكتب "كتهذيب التهذيب"٤، و"تقريبه"٥، و"الكاشف"٦، و"والخلاصة"٧.
وكذا ذكره الذهبي في "الكنى" من "ميزان الاعتدال"٨، و"المغني
_________________
(١) ١ /٦٦. ٢ ٣/٣٠٣. ٣ ٨ ورقة ٧٩٠. ٤ ١٢/٢٠. ٥ ٢/٣٩٥. ٦ ٣/٣١٢. ٧ /٤٤٣. ٨ ٤/٤٩٥.
[ ١ / ٤٤٤ ]
في الضعفاء"١، وابن حجر من "لسان الميزان"٢، والفتني في "المغني"٣، وأورده أبو أحمد الحاكم في كتابه "الأسامي والكنى"٤، فذكره بكنيته ولم يسمه.
وكذا أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"٥، ولكن في باب من عرف بالكنى ولا يسمى.
هذا والجدير بالذكر أنني فتشت عن أبي بسرة الغفاري في كتاب "الكنى" للدولابي حتى تيقنت أنه لم يذكره.
المبحث الثاني في حال أبي بسرة
مما مضى عرفنا أن ابن حبان ذكره في كتاب "الثقات"، ووثقه أيضًا العجلي، حيث قال٦: "أبو بسرة مدني تابعي ثقة".
أورده ابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل" إلا أنه سكت عنه، فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا.
ومثل هذا يورده ابن أبي حاتم رجاء أن يقف فيه على جرح أو
_________________
(١) ١ ٢/٧٧٢. ٢ ٧/٤٥٣. ٣ /١٠. ٤ ورقة ٢ من الجزء الرابع. ٥ ٤/٢/٣٤٨. ٦ انظر: "ترتيب ثقات العجلي" مصور ورقة (٦١) .
[ ١ / ٤٤٥ ]
تعديل فيضيفه إليه، كما نبه على ذلك في تقدمة كتابه المذكور١.
أما الذهبي في "ميزان الاعتدال"٢ فإنه قال: "لا يعرف"، وكذا قال في "المغني في الضعفاء"٣، ومعنى هذا أنه مجهول.
وقد استدرك ابن حجر على الذهبي حين أورده في "لسان الميزان"٤، وقال فيه: "وثقه ابن حبان".
والذي يبدو من صنيع الذهبي في "الكاشف"٥ أنه كان متنبهًا للتوثيق فيه؛ لأنه قال: "وثق". وفي هذا إشارة من الذهبي إلى تضعيف هذا التوثيق فيه، وعدم الاعتماد عليه.
وأما ابن حجر فإنه لم يلتفت إلى هذا التوثيق، ومشى في حكمه على هذا الراوي من "تقريب التهذيب" على اصطلاحه الذي ذكره في مقدمة كتابه المذكور٦، وهو: "أن من ليس له من الحديث إلا القليل ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله" فإنه يشير إليه بلفظ: "مقبول"، حيث يتابع وإلا فليّن الحديث.
_________________
(١) ١ ١/١/٣٨. ٢ ٤/٤٩٥. ٣ ٢/٧٧٢. ٤ ٧/٤٥٣. ٥ ٣/٣١٢. ٦ ١/٥.
[ ١ / ٤٤٦ ]
قال ابن حجر١: "أبو بسرة -بضم أوله وسكون المهملة- الغفاري مقبول من الرابعة، روى له أبو داود والترمذي".
فقوله عن أبي بسرة أنه "مقبول" أي إذا كان له متابع، وإلا فيكون ليّن الحديث. كما سبق بيانه.
وقد نظرنا فلم نجد له متابعًا، ولا يخفى أن الترمذي استغرب هذا الحديث، فبناء على ذلك يكون الحديث ضعيفًا، وهذا هو الذي قرره الترمذي بقوله: "غريب"؛ فإنه يعني بقوله غريب أي: ضعيف.
وإلى حدّ هنا تقريبًا انتهى الكلام على هذا الحديث، لولا ما نقله الترمذي عن البخاري من أنه رآه حسنًا.
وإن النفس لتستشرف إلى معرفة ما بنى البخاري عليه تحسينه لهذا الحديث، فلعل تضعيفه غير سائغ.
وأقرب ما يقال في هذا المجال هو لعل البخاري يريد حسن المعنى٢، أو أن أبا بسرة الغفاري ليس ضعيفًا عنده؛ فلأجل هذا حسّن حديثه ويمكن أن يساعد على ذلك ما قيل من أن سكوت البخاري عن الراوي يدل على توثيقه له، فإنه سكت عنه هنا، فلم ينقل الترمذي عنه أنه قال فيه شيئًا لا جرحًا ولا تعديلا.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب ٢/٣٩٥. ٢ انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/٥٤.
[ ١ / ٤٤٧ ]
كذلك لمّا أورده في "الكنى" من "التاريخ الكبير" لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا.
[ ١ / ٤٤٨ ]