وأَعْصِي كلَّ ذِي قُرْبَى لَحَاني بجَنْبك فَهْو عندي كالظَّنينِ
وقالَ الله ﷿: ومَا هُوَ على الغَيْنِ بِظَنِين، فيجوز أَن يكون معناه: بمتَّهم. ويجوز أَن يكون معناه: بضعيف، من قول العرب: وَصْلُ فلان ظَنون، أَي ضعيف، فيكون الأَصل فيه: وما هو على الغيب بظَنون، فقلَبوا الواو ياءً، كما قالوا: ناقةٌ طَعُوم وطَعِيم، للَّتي بين الغَثَّة والسَّمينة؛ في حروف كثيرة يطول تعديدها وإِحصاءها.
وقالَ أَبو العباس: إنَّما جاز أن يقع الظّن على الشَّكّ واليقين؛ لأَنه قولٌ بالقلْب؛ فإِذا صَحَّت دلائل الحق، وقامت أَماراتُه كان يقينًا، وإِذا قامت دلائلُ الشَّكّ وبطلتْ دلائلُ اليقين كان كَذِبًا، وإِذا اعتدلت دلائلُ اليقين والشَّكّ كان على بابه شَكًّا لا يقينًا ولا كذبًا.
٢ - وقال بعض أَهل اللُّغة: رجوت حرف من الأَضداد. يكون بمَعْنَى الشَّكّ والطَّمع،
ويكون بمَعْنَى اليقين؛ فأَمَّا معنى الشَّكّ والطّمع فكثير لا يحاط به؛ ومنه قول كَعْب ابن زهير:
[ ١٦ ]
أَرْجُو وآمُلُ أَنْ تَدْنُو مودَّتُها ومَا إِخالُ لدينا منكِ تَنْوِيلُ
معناه: وما لدينا منك تنويل، وإِخال: لغو. وأَما معنى العلم فقوله: فَمَنْ كان يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا. معناه: فمن كان يعلم لقاء ربّه فليعمل عملًا صالحًا. وقولهم عندي غير صحيح؛ لأَنَّ الرَّجاءَ لا يخرج أَبدًا من معنى الشَّكّ، أَنشدنا أَبو العباس:
فَوَا حَزَنَى ما أَشْبَهَ اليأْسَ بالرَّجَا وإِنْ لَمْ يكونا عِنْدَنا بِسَواءِ
والآية التي احتَجُّوا بها لا حجَّة لهم فيها؛ لأَنَّ معناها: فمن كان يرجو لقاءَ ثوابِ ربّه، أَي يطمع في ذلك ولا يتيقَّنه.
وقالَ سهل السَّجسْتَانيّ: معنى قوله: فَمَنْ كان يَرْجُو لقَاءَ رَبِّه: فمن كان يخاف لقاءَ ربِّه. وهذا عندنا غَلَط؛ لأَنَّ العرب لا تذهب بالرَّجاء مذهب الخوف إِلَاّ مع حروف الجَحْد؛ وقد استقصينا الشواهد لهذا.
ويقال: ارتجيت ورجَّيت بمعنًى؛ قال الشَّاعر:
[ ١٧ ]
فَرَجِّي الخَيْرَ وانْتَظِري إِيابي إِذا مَا القارِظُ العَنَزِيُّ آبا
وجاءَ في الحديث: لوْ وُزِنَ رجاءُ المُؤمن وخوفه بميزان تَرِيصٍ لاعْتَدَلا، معناه: بميزان مُقَوَّم، يقال: قد تَرَّصَ الميزانَ إِذا قوَّمه، قال الشَّاعر:
قَوَّمَ أَفْواقَها وتَرَّصَها أَنْبَلُ عَدْوانَ كلِّها صَنَعَا
أَنبل عَدْوَانَ، معناه: أَحذقُهم بصنعة النَّبْل. وقالَ النَّابِغَة الذُّبْيَانِيّ:
مَجَلَّتُهُمْ ذَاتُ الإِلهِ وَدِينُهُمْ قَوِيمٌ فما يرجُون غَيْرَ العَوَاقِبِ
يقال: معناه فما يطمعون في غيرها. ويقال: معناه: فما يخافون غيرَها، ومَجَلَّتهم: كتابُهم، ويروى: محَلَّتُهم، بالحاء. وكنانة وخُزاعة ونَضْر وهُذَيْل يقولون: لم أَرْجُ،
يريدون: لم أُبَالِ.
فإِنْ قال قائل: إِنَّ معنى قول الله ﷿: قالَ
[ ١٨ ]
الَّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللهِ، يظنون أَنَّهم ملاقو ثواب الله، كان ذلك جائزًا. والظَنّ بمَعْنَى الشَّكّ.
ولا يبطل بهذا التَّأْويل قولُ من جعل الظَنّ يقينًا، لأَنَّ قوله: أَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ في الأَرْضِ، لا يحتمل معنى الشَّكّ، والظِّنَّة عند العرب الشَّكّ، ولا تُجعل في الموضع الَّذي يراد به اليقين، قال الشَّاعر:
إِنَّ الحَمَاةَ أُولِعَتْ بالكَنَّهْ وأَبَتِ الكَنَّةُ إِلَاّ ظِنَّهْ
والظّنون أَيْضًا لا يستعمل إِلَاّ في معنى التُّهَمة والضعف، قال الشَّاعر:
أَلَا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي تَمِيمٍ وقد يأْتيكَ بالرَّأْي الظَّنُونُ
أَي المتَّهَم أَو الضعيف. ويقال في جمع الظِّنَّة الظنائن، قال الشَّاعر:
تُفَرِّقُ مِنَّا مَنْ نُحِبُّ اجْتماعَهُ وتَجْمَعُ مِنَّا بَيْنَ أَهْلِ الظَّنَائِنِ
ويروى:
تُبَاعِدُ مِنَّا مَنْ نُحِبُّ اجْتماعَهُ وتَجْمَعُ مِنَّا. . . . . . . . . .
[ ١٩ ]
ولا يجمع من هذا الباب على فعائل إِلَاّ ما كان فيه إِدغام أو اعتلال؛ كقولهم: حاجة وحوائج؛ قال الشَّاعر، أَنشده الفرَّاء:
بَدَأْنَ بِنَا لَا رَاجِياتٍ لِرَجْعَةٍ ولَا يائِسَاتٍ مِنْ قَضَاءِ الحَوائجِ
وأَنْشَدَ أَبو العباس:
إِنَّ الحَوائجَ ربَّما أَزْرَى بها عِنْدَ الَّذي تُقْضَى لهُ تَطْوِيلُهَا
وأَكثر ما تقول العرب في جمع الحاجة: حاجات وحاج وحِوَج، أَنشد الفرَّاء:
أَلا لَيْتَ سُوقًا بالكُنَاسَةِ لم يَكُنْ إِليها لِحاجِ المسلمين طريقُ
أَراد لحوائج المسلمين. وأَنْشَدَ أَبو عُبيدة:
ومُرْسِلٍ ورَسُولٍ غَيْرِ مُتَّهَمٍ وحَاجَةٍ غير مُزْجَاةٍ من الحَاجِ
أَراد غير ناقصة من الحوائج، والمَزْجاة المسوقة، تقول: أَزجيت مطيَّتِي أَي سُقْتُها، قال الله ﷿: بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ. وقال الآخر يهجو عَبْدِ اللهِ بن الزُّبير:
أَرى الحَاجاتِ عِنْدَ أَبي خُبَيْبٍ نَكِدْنَ ولا أُمَيَّةَ بالبِلَادِ
[ ٢٠ ]