وبِدَر، فنقَض ابنُ قتيبة بهذا على نفسه ما ادَّعاه في تأْويل الحديث الأَوَّل؛ لأَنَّه إِذا صلَح أَن تكون القَشْعة اسمًا لما يُقْشع من الأَرض، وأَن يُقال في جمعها قِشَع، صَلَح أَن تكون النَّبَلَة اسمًا لما يُتَنَبَّل من الأَرض، وأَن يقال في جمعها: نِبَل ونَبَل، كما يقال: حَلْقة وحِاَق،
وحَلَق، وعَبْرة وعِبَر وعَبَر. وقالَ ابن قتيبة في شعر لَبِيد: كأَرْآمِ النُّبَلْ، فجعل هذا شاهدًا لقوله، وهذا عندنا تَصْحِيف منه، إِذا كانت الرُّواة روت البيت على غيرِ ما وصف، فاتَّفقوا على أَنَّهُ:
وَمُرِنَّاتٍ كأَرْآمِ تُبَلْ
وقالوا: المُرِنَّات النِّساء اللَّواتي يُعْلِنَّ الرنَّة، والأَرآم: الظباء، فشبَّه النِّساءَ بالظباءِ في تُبَل. وتُبَل: اسم موضع.
٥٥ - وأَخْفَيت حرف من الأَضْداد؛ يقال: أَخفيت الشَّيء، إِذا سترتَه، وأَخفيتُه إِذا أَظْهرتَه، قال الله ﷿: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها، فمعناه أَكاد أَسترها، وفي قراءة أُبَيّ: أَكادُ أَخْفيها من نفسي،
[ ٩٥ ]
فكيف أُطلعكم عليها، فتأْويل من نفسي: من قبلي ومن غيبي، كما قال: تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ، ويقال: معنى الآية: إِنَّ السَّاعة آتية أَكاد أُظهرها. ويقال: خَفَيْتُ الشَّيءَ، إِذا أَظهرتَه. ولا يقع هذا - أَعني الَّذي لا أَلف فيه - على السَّتر والتَّغطية.
قال الفَرَّاءُ: حدَّثنا الكِسَائِيّ، عن محمد بن سهل، عن وقاء، عن سعيد بن جُبَيْر أَنَّهُ قرأَ: أَكاد أَخْفيها، فمعنى أَخفيها أُظهرِها. وقالَ عَبْدة بن الطَّبيب يذكر ثورًا يحفِر كِناسًا، ويستخرج ترابَه فيظهره:
يَخْفِي التُّرابَ بأَظْلافٍ ثَمانيةٍ في أَربعٍ مَسُّهُنَّ الأَرْضَ تحْليلُ
أَرادَ يظهر التُّراب. وقالَ الكِنديّ:
فإِنْ تَدْفِنُوا الدَّاَء لا نَخْفِهِ وإِنْ تَبْعَثُوا الحرْبَ لا نَقْعُدِ
أَرادَ لا نظهره، وقالَ النَّابِغَة:
يَخْفِي بأَظلافهِ حتَّى إِذا بلغَتْ يُبْسَ الكثيب تَدانَى التُّرب وانْهَدَمَا
أَرادَ يظهر. قال أَبو بَكْر: يجوز أَن يكون معنى الآية: إِنَّ السَّاعة آتية أَكاد آتي بها؛ فحذف آتي لبيان معناه، ثمَّ
[ ٩٦ ]
ابتدأَ فقال: أُخْفِيها لتُجْزَى كُلُّ نفس، قال ضابئ
البرجميّ:
هَمَمْتُ ولمْ أَفعلْ وكِدْتُ وليتَني تركْتُ على عُثْمانَ تَبْكي حَلائِلُهْ
أَرادَ: وكدت أَقتله، فحذف ما حذف، إِذا كان غير مُلبِس. ويجوز أَن يكون المعنى: إِنَّ السَّاعة آتية أُريد أُخفيها، قال الله ﷿: كذَلِكَ كِدْنَا ليُوسُفَ، فيقال: معناه أَردنا. وأَنشدَنا أَبو عليّ العنزيّ للأَفْوَه:
فإِنْ تَجَمَّعَ أَوْتادٌ وأَعْمِدَةٌ وسَاكنٌ بلغوا الأَمرَ الَّذي كَادُوا
معناه الَّذي أَرادوا، وقال الآخر:
كادَتْ وكِدْتُ وتلك خير إِرَادَةٍ لوْ عادَ مِنْ لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضَى
معناه أَرادت وأَردت. ويجوز أَن يكون معنى الآية: إِنَّ السَّاعة آتية أَخفيها لتُجْزَى كُلُّ نفس؛ فيكون أَكاد مزيدًا للتَّوكيد، قال الشَّاعر:
سَريعًا إِلى الهيجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ فما إِنْ يَكادُ قِرْنُهُ يتنفَّسُ
أَرادَ: فما كاد قرنه. وقالَ أَبو النَّجم:
وإِنْ أَتاكَ نَعِيِّي فانْدُبنَّ أَبَا قَدْ كادَ يَضْطَلِعُ الأَعْداَء والخُطَبَا
[ ٩٧ ]
معناه قد يضطلع. وقال الآخر:
وأَلَاّ أَلومَ النَّفْسَ فيما أَصابَني وأَلَاّ أكادَ بالَّذي نِلْتُ أَبْجَحُ
معناه: وأَلَاّ أَبجح بالَّذي نلت. وقالَ حسَّان:
وَتَكادُ تكسلُ أَنْ تجيَء فِراشَهَا في جِسْمِ خَرْعَبَةٍ وحُسْنِ قَوامِ
معناه: وتكسل أَن تجيءَ فِرَاشها.
وقال أَبو بَكْر: والمشهور في كدت مقاربة الفعل، كدت أَفعل كذا وكذا: قاربت الفعل ولم أَفعله. وما كدت أَفعله، معناه فعلتُه بعد إِبطاءٍ، قال الله ﷿: فَذَبَحُوهَا ومَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، معناه فعلوا بعد إِبطاء لغَلائها، قال قيس بن الخَطيم:
أَتعرفُ رَسْمًا كاطِّرادِ المذاهِبِ لِعَمْرَةَ وَحْشًا غَيْرَ مَوْقِفِ رَاكِبِ
دِيارُ التي كادتْ ونَحْنُ على مِنًى تحُلُّ بنا لولا نَجاءُ الرَّكَائِبِ
معناه قاربت الحلول ولم تحلّ. وقالَ ذو الرُّمَّة:
وَقَفْتُ على رَبْعٍ لِميَّةَ ناقَتي فما زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ
وأُسْقِيهِ حتَّى كادَ ممَّا أَبُثُّهُ تُكَلِّمُني أَحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
معناه: قارب الكلام ولم يكن كلام. وقال الآخر:
[ ٩٨ ]