وَثَب الرَّجُل، إِذا قعد.
وقالَ الأَصْمَعِيّ وغيرُه: دخل رجلٌ على ملكٍ من ملوك حِمْيَر، وكانَ الملكُ جالسًا في موضع مُشْرِف، فارتقى إِلَيْه، فقال له الملك: ثِبْ؛ يريد اجْلِس، فطفَر، فسقط فاندقَّتْ عنقُه، فقال الملك: من دَخَل ظَفَارِ حَمَّر، أَي تكلَّم بلسانِ حِمْيَر.
وقالَ بعضهم: مَعْنَى حَمَّر تزيَّا بزيِّهم ولبس الحُمْر من الثياب. وظَفَارِ: اسم مدينة باليمن، وإِليها يُنسب الجَزْع الظَّفارِيّ، وظَفَارِ، كسرت لأَنَّها أُجريت مجرى ما سُمِّي بالأَمر، كقولك: قَطَامِ وحَذَامِ؛ لأَنَّهما على مثال قَوالِ ونَظَارِ؛ ومن ذلك حَلَاقِ، من أَسماءِ المنِيَّةِ، وطَمَارِ اسم جَبَل، قال الشَّاعر:
فإِنْ كُنْتِ لا تَدْرِينَ ما الموتُ فانْظُري إِلى هانئِ في السُّوقِ وابنِ عَقيلِ
إِلى بَطَلٍ قَدْ عَفَّرَ التُّرْبَ خَدَّهُ وآخرَ يَهْوي مِنْ طَمَارِ قَتيلِ
ويُرْوَى: طَمَارَ، ويجوز: مَنْ دخل ظَفَارَ حَمَّر؛ على أَنْ يجري ظَفَارَ مَجرى زينب ونوار.
٥٤ - والنَّبَل من الأَضْداد؛ يقال: نَبَل لِلْجلَّة العظام، ونَبَلَ للصِّغار.
[ ٩٢ ]
ومن الصِّغار حديث النَّبِيّ ﷺ في الغائط: اتَّقوا الملَاعن وأَعِدُّوا النَّبَل، فالملاعِن الطرقات والمواضع التي يَلْعن النَّاسُ مَنْ قَذَّرها. والنَّبَل: حجارةُ الاستنجاء، سُمِّيت نَبَلًا لصِغَرها.
قال أَبو عُبيدة: حدَّثني إِسحاق بن عيسى، قال: سمعت القاسم بن معن يقول: مات رجل من العرب، فورِثه أَخوه، فعيَّر الحيَّ بعضُ العرب، ونسبه إِلى أَنَّهُ قد فرح بموت أَخيه لِمَا صار إِلَيْه من ماله، فقال الرَّجُل:
إِنْ كنت أَزْنَنْتَنِي بها كذِبًا جَزْءُ فلاقَيْتَ مِثْلَها عَجِلَا
أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأ الكرامَ وأَنْ أُورَثَ ذَوْدًا شَصائِصًا نَبَلَا
الشَّصائص: التي لا أَلبان لها، والنَّبَل: الصِّغار الأَجسام وأَنكر ابن قتيبةَ هذا، وقالَ: إنَّما هو وأَعِدُّوا النُّبَل بضمّ النُّون، قال: والنُّبَل: جمع نُبْلة، والنُّبْلَةُ: ما انتبلتَ من الأَرض من حَجَر، أَي تناولت؛ فالنُّبْلة: اسم المتناوَل، بمنزلة الغُرْفة اسمًا للمغروف، والحُسوة
[ ٩٣ ]
للشَّيء الَّذي يُحْسَى، قال: وهذا البيت هو شَصائِصًا نُبَلًا بضمّ النُّون، أَي عطيَّة وعِوَضًا.
قال أَبو بَكْر: فالَّذي قاله ابنُ قتيبةَ عندي خطأ من ثلاثة أَوجه:
أَحدُهنّ: أَنَّ النُّبَلَ لو أُريد بها ما يُتناول من الأَرض، لجاز أَن يقال لقطع الخزف والزُّجاج وما أَشبههما: نُبَل، وهذا غير معروف فيهما، ولا يجاز الاستنجاءُ بهما.
والحجَّة الثانية: أَنَّ العرب لا تقول: فَعْلة وفُعْلة في معنى المصادر والأَسماء المبنيَّة على الأَفعال إِلَاّ إِذا تكلَّموا بفعلت، فيقولون: حَسَوْت حَسْوَةً، والحُسْوة الاسم، وغرفت غَرْفة، والغُرفة الاسم، وخطوتُ خَطْوة، والخُطوة الاسم، وفَرَجْتُ فَرْجة، والفُرْجة الاسم؛ ولا يقال في هذا نَبَلْتُ، فمتى لم يُتكلَّم ب فعلت لم يتكلَّم منه بفَعْلة وفُعْلة، أَلا تَرى أَنَّ العربَ تقول: انتبلت؛ فغير جائز أَن يقول القائل: انتبلتُ نَبْلة؛ بل يجب أن يقول: انتبلتُ انتبالة.
والحجَّة الثالثة: أَنَّهُ قال في حديث أَبي هُرَيْرَة: لو حَدَّثت بكلِّ ما أَعلم لرَموْني بالقِشَع، والقِشَع: جمع قَشْعَة، والقَشْعَة: ما يُقْشع من الأَرض من الحجر والطِّين والخزف وغير ذلك. والقِشَع: جمع قَشْعة، كما تقول: بَدْرة
[ ٩٤ ]