وأَخبرنا أَبو العبَّاس، عن ابن الأَعْرَابِيّ، قال: الخِنْدِيذ: الضَّخم، والخناذيذ: الضِّخام، وأَنشدنا:
تَعْلُو أَوَاسِيَه خَنَاذِيذُ خِيَمْ
قال: أَواسِيَه: ثَوَابِتُه.
٢٨ - وقالَ أَبو عُبيدة: كان من الأَضْداد؛ يقال: كان للماضي، وكانَ للمستقبل، فأَمَّا كونها للماضي فلا يُحتاج لها إلى شاهد، وأَمَّا كونها للمستقبل، فقول الشَّاعِر:
فأَدركْتُ مَنْ قدْ كانَ قبلي ولم أَدَعْ لمَنْ كانَ بَعْدي في القَصَائِدِ مَصْنَعَا
أَرادَ لمن يكون بعدي، قال: وتكون كانَ زائدة، كقوله تعالى: وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا، معناه: والله غفور رحيم.
٢٩ - قال أَبو عُبيدة: ويكون من الأَضْداد أَيْضًا، يقال: يكون للمستقبل، ويقال: يكون للماضي، فكونه للمستقبل لا يُحتاج فيه إِلى شاهد، وكونه للماضي قول الصَّلَتان يرثي المغيرة بن المُهَلَّب:
[ ٦٠ ]
قُلْ للقَوَافِلِ والغُزَاةِ إِذا غَزَوْا والبَاكِرِينَ والمُجِدِّ الرَّائِحِ
إِنَّ السَّماحَةَ والشَّجاعَةَ ضُمِّنَا قَبْرًا بمرْوَ على الطَّريقِ الواضِحِ
فإِذا مَرَرْتَ بقَبْرِهِ فاعْقِرْ بهِ كُومَ الجِلادِ وكُلَّ طِرْفٍ سابِحِ
وانْضَحْ جَوانِبَ قَبْرِهِ بِدِمائِها فَلَقَدْ يكونُ أَخَا دَمٍ وذَبَائِحِ
أَرادَ: فلقد كان.
قال أَبو بَكْر: والَّذي نَذْهب إِلَيْه أَنَّ كان ويكون لا يجوز أَن يكونا على خلاف ظاهرهما، إِلَاّ إِذا وَضَح المعنى، فلا يجوز لقائل أَنْ يقول: كان عبد الله قائمًا، بمَعْنَى يكون عبد الله، وكذلك محال أَنْ يقول: يكون عبد الله قائمًا؛ بمَعْنَى كان عبد الله، لأنَّ هذا ما لا يُفهم ولا يقوم عليه دليل؛ فإِذا انكشف المعنى حُمِلَ أَحدُ الفعْليْن على الآخر، كقوله جلَّ اسمه: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ في المَهْدِ صَبِيَّا، معناه مَنْ يكون في المهد فكيف نكلِّمه! فصلَح الماضي في موضع المستقبل لبيان معناه. وأَنشد الفَرَّاءُ:
فَمَنْ كانَ لا يأْتيكَ إِلَاّ لحَاجَةٍ يَرُوحُ لهَا حتَّى تَقَضَّى ويَغْتَدِي
فإِنِّي لآتِيكُمْ تَشَكُرَ ما مَضَى من الأَمْرِ واسْتِيجابَ ما كانَ في غَدِ
أَرادَ: ما يكون في غد. وقالَ الله عزَّ ذكره: وَنَادَى
[ ٦١ ]
أَصْحابُ الجَنَّةِ أَصْحابَ النَّار، فمعناه وينادي، لأنَّ المعنى مفهوم، وقالَ ﷿: يا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الكَيْلُ، فقال بعضُ النَّاس: معناه يُمنع مِنَّا. وقالَ الحُطَيْئة:
شَهِدَ الحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ أَنَّ الوليدَ أَحَقُّ بالعُذْرِ
معناه: يشهد الحطيئة.
وقول أَبي عُبيدة كان زائدة في قوله ﵎: وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ليس بصحيح، لأنَّها لا تُلْغَى مبتدأَةً ناصبة للخبر؛ وإنما التأويل المبتدأ عند الفراء وكائن الله غفورا رحيما فصلح الماضي في موضع الدائم لأنَّ أَفعال الله جلَّ وعزَّ تخالف أَفعالَ العباد، فأَفعال العباد تنقطع، ورحمة الله ﷿ لا تنقطع وكذلك مغفرته وعِلْمُه وحِكْمَتُه.
وقالَ غير الفَرَّاء: كأَنَّ القوم شاهدوا لله مَغْفِرَةً ورحمةً وعلمًا وحكمةً، فقال الله ﷿: وكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا، أَي لم يزل الله ﷿ على ما شاهدتم.
[ ٦٢ ]