قال أبو منصور: ذكر الشافعي ﵀ قول أبي بكر ﵁: "لو منعوني عناقا مما ادوا إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها" وفي حديث اخر: "لو منعوني عقالا"١ فاما العناق: من اولاد المعزى فهي الأنثى التي لم تستكمل سنه ولم تجدع وجمعها عنوق ومن رواة عقالا فله معنيان أحدهما أن العقال في كلامهم صدقه عام يقال اخذ منا عقال هذا العام أي اخذ منا صدقة عامنا على مواشينا وقال عمرو بن العداء في ذلك:
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟ "٢"
والمعنى الثاني في العقال أن المصدق كان إذا اخذ فريضة من الإبل أخذ من صاحب الإبل عقالها ليعقلها به وقت نزوله لأنها إن لم تعقل نزعت إلى الافها فرجعت اليها فذكر العقال تقليلا لما يقاتل عليه توكيدا.
وذكر الشافعي آية الصدقات وفسر الاصناف الثمانيه تفسيرا مقنعا غير اني رأيت أن اذكر ما قال فيها أهل اللغة لتزداد بما فسروه بصيره، سمعت أبو الفضل المنذري يقول سمعت ابا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا وسئل عن تفسير الفقير والمسكين فقال قال أبو عمرو بن العلاء رواه عنه الاصمعي الفقير الذي له ما يأكل والمسكين الذي ليس له شيء وانشد للراعي:
اما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد"٣"
_________________
(١) ١ متفق عليه: أخرجه البخارى برقم "١٣٩٩"، ومسلم برقم "٣٢/٢٠" من حديث أبى هريرة ٢ وبعده كما في اللسان "عقل" لأصبح الحى أوبادا ولم يجدوا عند التفرق في الهيجا جمالين ٣ البيت في "طبقات فحول الشعراء "٢/٥١١"، والمفضليات "٢٣٥"، وأدب الكاتب "ص ٣٤"، والمخصص "١٢/٢٨٥"، والتنبيهات "٣١٦"، وشرح أدب الكاتب للجواليفى "١٤٤"، والإصلاح "٣٦٠"، وتهذيبه"٢/١٨٢"، واللسان "فقر، وفق"، و"سكن" وغيرها كثير، واستشهدوا بت على أن الفقير الذى يكون له بعض مايقيمه، والمسكين: الذى لاشئ له. والحلوية: الناقة التى تحلب، ووفق العيال: أى لها لبن قدر كفايتهم. وقوتهم لافضل فيه، ولم يترك له سبد: أى لم يترك له شئ، لايستعمل إلا في الجلد، وأصل السبد: الوبر، والبيت من كلمة له يمدح فيها عبد الملك بن مروان، ويشكو إليه السعاة وتجاوزهم ما يجب أخذه من الصدقات.
[ ١٩٣ ]
فجعل له حلوبة وسماه فقيرا.
قال: وأخبرني الحسين بن فهم عن محمد بن سلام عن يونس قال الفقير الذي يكون له بعض ما بقيمه والمسكين الذي لا شيء له وقال يونس قلت لاعرابي مرة أفقير أنت فقال لا والله بل مسكين.
قال: وسمعت أبا الهيثم يقول كأن الفقير سمى فقيرا لزمانه تصيبه مع حاجة شديدة تمنعه الزمانه عن الكسب قال ويقال اصابته فاقره أي نازله فقرت فقاره وهو خرز ظهره قال والزمانه كل داء ملازم يزمن الإنسان فيمنعه عن الكسب كالعمى والاقعاد وشلل اليدين قال وقد يسمى الأخرس الأصم زمنا وقد
يكتسب وهو غير سوى قال الله ﷿: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ "١" قالوا من غير خرس والأخرس ليس يسوى وأنشد بعضهم في الفقير:
لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل"٢"
لبد: آخر نسور لقمان وجعل لقمان بن عاد عمر سبعة نسور ولبد آخر نسوره وأراد بالفقير المكسور الفقار يضرب مثلا لكل ضعيف لا ينفذ في الأمور.
قال أبو منصور: وقد تعوذ النبي ﷺ من الفقر ودعا فقال: "اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين".٣
وقد يكون المسكين في هذا الحديث المتواضع المخبت لان المسكنة مفعلة من السكون يقال تمسكن الرجل لربه إذا تواضع وخشع وكان النبي ﷺ يتعوذ من الفقر المرب وهو الفقر اللازم الذي لا يفارقه من أرب بالمكان إذا أقام
_________________
(١) ١ سورة مريم، الاية ١٠ ٢ البيت للبيد كما في "ديوانه" "ص٣٤"، والعمرين "٣"، والحيوان "٦/٣٢٦"، واللسان "فقر"، وثمار القلوب "٤٧٦"، وبلا نسبة في "مجالس ثعلب" "١/٣٠٣". وانظر ثمار القلوب رقم "٧٧١"، وهامش ثعلب. ٣ صحيح: ورد عن أنس، وأبى سعيد الخدرى، وعبادة بن الصامت، وابن عباس، وانظر تخريجهم في "الإرواء" برقم "٨٦١" ولكن فيه: "زمرة" بدلا من كلمة: "جملة"، وعلى هذا قلت: إنه صحيح، أما يهذا اللفظ فلا يصح، والله أعلم.
[ ١٩٤ ]
به. وفي القرآن ما يدل على أن المسكين قد يكون له الشيء اليسير قال الله ﷿: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ "١". سماهم الله مساكين ولهم سفينه لها قيمة.
وأنشد أحمد بن يحيى قال أنشدني ابن الاعرابي:
هل لك في أجر عظيم تؤجره تغيت مسكينا قليلا عسكره
عشر شياه سمعه وبصره قد حدث النفس بمصر يحضره
يخاف أن يلقاه نسر ينسره"٢"
ينسره يضربه بمنسره قال ابن الاعرابي عسكره جماعه ماله فسمى نفسه مسكينا وله بلغه وهي السياه العشر. قال أبو منصور: فهذه جمله ما قاله أهل اللغة في الفرق بينهما والذي عندي فيهما أن الفقير والمسكين تجمعهما الحاجه وان كان لهما ما يتقوتانه إما لكثرة عيال أو قلة ما بايديهما والفقر اشدهما حالا لأنه مأخوذ من الفقر وهو كسر الفقار وهو فعيل بمعنى مفعول فكأن الفقير لا ينفك من زمانه اقعدته عن التصرف مع حاجته وبها سمى فقيرا لأنه غاية الحاجه الا يكون له مال ولا يكون سوى الجوارح مكتسبا والعرب تقول للداهيه الشديده فاقره وجمعها فواقر وهي التي تكسر الفقار قال الله ﷿: ﴿ظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ "٣".
قال الشافعي: - ﵀ - "اذا كان العدو بموضع منتاط لا تناله الجيوش الا بمئونه عظيمه".المنتاط البعيد وفي الحديث "اذا انتاطت المغازي" أي بعدت واصله من النوط وهي التعليق وقال الاصمعي يقال رماه الله بالنيط وهو الموت يقال انتاط وانتطى إذا بعد وهذا على القلب والنطى البعيد اصله نيط فقلب كما قالوا اعتام واعتمى وانتاق وانتقى إذا اختار. وقال خول الله تعالى المسلمين اموال المشركين. أي غنمهم واعطاهم اياها وقال أبو اسحاق النحوي في قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الاية ٧٩ ٢ الأشطار عدا الأخير في "اللسان" "سكن" بلا نسبة. ٣ سورة القيامة، الاية٢٥
[ ١٩٥ ]
إِلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ "١". قال: ﴿خَوَّلَهُ﴾ أعطاه ذلك تفضلا منه وكل من أعطى شيئا على غير جزاء فقد خول ويقال لخدم الرجل خوله لأنهم من عطاء الله ﷿.
قال: "والغارمون صنفان: صنف أدانوا في مصلحة معاشهم وصنف أدانوا في صلاح ذات بين".دانوا أي استدانوا يقال للذي ركبه الدين دائن ومديون وصلاح ذات البين صلاح حاله الوصل بعد المباينه والبين يكون فرقه ويكون وصلا وهو ها هنا بمعنى الوصل ومنه قوله ﷿: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ "٢". أي تقطع وصلكم وقولهم في الدعاء: "اللهم اصلح ذات البين" أي اصلح الحال التي بها يجتمع المسلمون.
وقال الله ﷿: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ "٣". قال الزجاج حقيقة وصلكم قال والبين الوصل وقال ثعلب أراد الحاله التي للبين ولذلك أنث فقال ذات يقال اتيته ذات ليله وكذلك اتيته ذات العشاء أي الساعه التي فيها العشاء. قال الأزهري - ﵀ - فيما املى ها هنا ذات تأنيث ذا وذا اشاره إلى شيء متراخ عنك وذات اشاره إلى شيء مؤنثه ثم يكنى بذات عن حقيقة الشيء وغايته وهو معنى قول المتكلمين الصفات الذاتيه وهذا على قول من يجعل بعض الصفات غير ذاتيه وهي عندنا كلها ذاتيه ليس منها شيء محدثا وقول العرب لقيته ذات العشاء أي الساعه التي فيها العشاء.
وأما حديث قبيصه بن المخارق أن النبي ﷺ قال: "حرمت المسألة الا في الثلاث رجل تحمل بحمالة ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فيسأل ورجل اصابته فاقه فشهد له ثلاثه من ذوي الحجى أن به فاقه".٤فاما تحمل الحماله فانه في الحرب تكون بين فريقين تقع فيها الدماء والجراحات فيتحملها رجل ليصلح بذلك بينهم ويحقن دماءهم فيسأل فيها حتى يؤديها والعرب تسمي الذين يتحملون الحماله الجمه واصل الحماله الكفاله والحميل الكفيل. وأما الجائحه فهي المصيبه تحل بالرجل في ماله فتجتاحه كله حتى لا يبقى له شيء فإذا كان للرجل زرع أو ثمر نخل أو كرم فاصابتها عاهه اذهبتها فهي جائحة أما أن
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الاية٨ ٢ سورة الأنعام، الاية ٩٤ ٣ سورة الأنفال، الاية ١ ٤ صحيح: أخراجه مسلم "١٠٤٤"، وأبو داود "١٦٤٠"، وغيرهما.
[ ١٩٦ ]
ينقطع عنها الماء فيتعذر سقيها فتفسد أو يصيبها حر مفرط أو صر مفسد فيهلكها كل ذلك من الجوائح.
وقوله: "حتى يصيب سدادا من عيش".أي يصيب مالا يسد خلته وكذلك سداد القاروره بالكسر وسداد الثغر سده بالخيل والرجل ليمنعوا العدو من أن يهجم على المسلمين قبله وأما السداد بالفتح فهو الاصابه في المنطق والتدبير والرأي.
وأما الحديث الآخر: "تحل المسأله في الفتق"، والفتق هو الحرب تقع فيها الدماء والجراحات يقال وقع بينهم فتق عظيم، وجعل الشافعي احد معنبي الغارمين في آية الصدقات الذين تحملوا الحمالات فغرموا مغارمها.
قال الشافعي: "وتفض جميع السهمان على اهلها".أي تفرق عليهم والفض اصله الكسر وانفض القوم إذا تفرقوا.
وقوله: "فان الفقراء يغترقون سهمهم كفافا يخرجون به من حد الفقر إلى حد الغنى اعطوه". يغترفونه: أي يستوعبونه كله كفافا أي لا يبقى منه شيء ولكنه على قدر ما يخرجهم من حد الققر إلى ادنى الغنى يقال لفلان كفاف من العيش أي مقدار ما يتبلغ به فيكفيه عن السؤال والحاجه إلى الناس. والاغتراف افتعال من الغرق وهو بمعنى يستغرقون السهم حتى يغرق في حاجتهم فيذهب ويهلك ومنه قول ابن الخطيم في جارية فاترة الطرف:
تغترق الطرف وهي لاهية كأنما شف وجهها نزف."١"
قال الشافعي: - ﵀ - "ويعطى الغازي الحموله والسلاح".اراد بالحموله الظهر الذي يركبه ويحمل عليه زاده واداته والحموله من الابل ما يحمل عليها.
وقوله: "ولو كانوا من باديتهم بالطرف وكانوا الزم له قسم بينهم"
اراد بالطرف من باديتهم اقصى ناحيه منها وجمع الطرف اطراف.
وقوله: "واذا استوى في القرب أهل نسبهم وعدى قسمت على أهل نسبهم
_________________
(١) ١ البيت في "اللسان". و"أساس البلاغة" "غرق" منسوبا إليه، وانظر "ديوانه" بتحقيق ناصر الدين الأسد، ومراجعه هناك.
[ ١٩٧ ]
دون العدى وان كان العدى اقرب منهم دارا وكان أهل نسبهم على سفر تقصر فيه الصلاة قسمت على العدى". والعدى هم الذين لا قرابه بينهم وبين هؤلاء الذين جاوروهم، وأهل نسبهم ذوو القرابات فان جمع الجوار ذو القرابه والعدى قسمت على ذوي القرابه لان لهم حقين حق القرابه وحق الجوار، فان كان العدى الذين لا قربة لهم مجاورين لهم وذوو القرابه لا يجاورونهم فالعدى احق لجوارهم"١"
والنعجه: المذهب في طلب الكلأ وإذا نزلت البوادي على اعداد المياه فهم حاضره ومنازلهم محاضرهم فإذا احتملوا عن المحاضر وتتبعوا مساقط الغيث في الباديه فهم منتجعون وناجعون ومنازلهم التي في النجعه مناجعهم ومقام أهل الباديه على اعداد المياه والمحاضر اقل السنه وإنما يقيمون علهيا شهورالقيظ واكثرها اربعه اشهر ثم يبدون منتوين المناجع يشربون الكرع من الغدران والدحلان والكرع ماء السماء وإذا ابطأ عليهم الغيث ارتووا من اعداد المياه لشفاههم وخيلهم وارادوا إبلهم ما بين الخمس والعشر وهذا لاصحاب النعم، فان كانوا شاويين فمقامهم أكثر السنه على الماء العد فإذا كثرت الامطار وامتلأت التناهى وامرعت البلاد بدوا حينئذ وذلك لأنهم لا روايا لهم يرتوون بها فيتهيأ لهم المقام في المناجع البعيدة عن الماء وتعجز شاؤهم عن ورود الماء البعيد الا ترى النبي ﷺ وكيف خص الإبل بأن معها حذاءها وسقاءها فتبدى الشاويين اقل السنه ومحضر النعميين الماء أقل السنه لما أعلمتك.
وقول الشافعيه: "وآل محمد ﷺ الذين جعل لهم الخمس عوضا من الصدقه المفروضه هم أهل الشعب وهم صليبه بني هاشم وبني المطلب".
اراد باهل الشعب الذين ينزلون شعب مكه وهم قريش البطاح والذين ينزلون في غير شعب مكة يقال لهم قريش الظاهرة. والظاهرة البادية وأهل الشعب هم حاضره لا يبرحون الشعب وروى عن معاذ انه قال: "ايما رجل انتقل
_________________
(١) ١ وفي الطبقات الوسطى لابن السبكى كما في "هامش طبقات الشافعية الكبرى" "٥/٦٥- ومابعدها" كلاما مفيدا حول هذا الموضوع، فانظره غير مأمور.
[ ١٩٨ ]
من مخلاف عشيرته إلى مخلاف غير عشيرته فصدقته إلى مخلاف عشيرته".
المخاليف لاهل اليمن كالرساتيق لنا واحدها مخلاف وهي قرى مجتمعه يجمعها اسم المخلاف ولكل قريه اهلون على حده.
وقوله: "وهم فوضى مختلطون". يقال متاعهم بينهم فوضى ونعمهم فوضى إذا كانت مختلطه.
وقوله: "حيث كانت الحاجه أكثر فهم به أسعد" أي احق وأولى.
والابل الجلة المسان العظام مثل البزل والربع والسدس فأما بنات اللبون والحقاق فليست من الجلة.
[ ١٩٩ ]