[/١ ب]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[وبه ثقتي] (^١)
كلام العرب مبنيٌّ على أربعة أنحاء: الثُّنائيّ، والثلاثيّ (^٢)، والرباعي، والخماسي. لا يُجاوَزُ ببناء الكلمة-والحروف أصلية-ذلك؛ إِلاّ أن تلحقها الزوايد، فقد تبلغ بها حينئذٍ سبعة؛ نحو: القَرَعْبلانة؛ وهي دُوَيبة.
فأمّا الثنائي:
فإِنه يجيء على ضربين:
ربما جاء وأصله ثلاثة، نحو: دَم، وفَم، وشَفَه. ويتبيّن الذاهب منه ما هو بالتصريف.
وربما جاء ولا أصل له في الثلاثي (^٣)، نحو: الأدوات وأسماء الزَّجر والحكايات، مثل: مِن، وعَن، وصَه، ومَه، وطَق، وقَه.
والثلاثي:
نحو قولك من الفعل: ذَهَبَ وَضَرَبَ، ومن الاسم: حَجَرٌ وَشَجَر.
والرباعي:
_________________
(١) زيادة من (ك).
(٢) في الأصل وك: «الثلاثي والثنائي»، والشرح الذي يلي هذا الكلام يقتضي ما أثبتناه، وهو الذي ذكره الخليل في العين:١/ ٤٨.
(٣) في الأصل: «وربما جاء وأصله ثلاثة ولا أصل له في الثلاثي»، وما أثبتناه من (ك).
[ ١ / ٥٧ ]
من الفعل نحو: دَحْرَجَ وَقَرْطَسَ، ومن الاسم نحو: عَقْرَب وَعَبْقَر.
والخماسي:
من الأفعال لا يكون إِلاّ بالزيادة. فأمّا من الأسماء فنحو: سَفَرْجَل وَشَمَرْدل.
ولا يجيء الخماسي إِلاّ وفيه حرفٌ أو حرفان من حروف الذَّلاقة، وهي ستة أحرف، ولها مخرجان، فمنها: الفاء والباء والميم؛ وهي من الشَّفَه، ومنها:
الراء والنون واللام؛ وهي من أَسَلةَ اللسان.
وكذلك الرباعي، إِلاّ أن يكون فيه أحد حرفَي الطَّلاقة؛ وهما: العين والقاف؛ أو كلاهما، أو السين والدال؛ أو إِحداهما. وهو-مع ذلك-قليل.
*** واعلمْ: انّ من الأبنية «الصحيح» و«المعتلّ».
فالصحيح: ما سَلِمَ في أصل بنائه من حروف العلل؛ وهي: الواو والياء والألف.
والمعتلّ: ما شابَ حروفَه حرفٌ أو حرفان منها.
فأمّا اللفيف: فما لا يكون فيه من الحروف الصحاح إِلاّ حرف واحد.
*** فإِنْ قال قائل:
لِمَ ابتدأ الخليل عند ذكر الأبنية بالثنائي؛ وقد قال سيبويه: «أقلُّ ما تكون عليه الكلمة حرف واحد»؟ (^٤).
_________________
(١) الكتاب لسيبويه:٢/ ٣٠٤.
[ ١ / ٥٨ ]
قيل له:
إِنما أشار بالكلمة-تسامحًا منه-إِلى حروف مفردةٍ موصولةٍ بأطراف الكلم لا يُقْدَر على قطعها منها ولا تستقلّ بذواتها، نحو: لام «لَقَدْ» وكاف «هُناك».
فأمّا الكلمة فلا يستحقُّها (^٥) حقيقةً إِلاّ ما يمكن الابتداء به والوقف عليه، وهذا لا يكون في أقلّ من حرفين.
فإِنْ قال:
فَلِمَ لَمْ (^٦) يبتدئ بما كان على حرفين نحو: مِنْ وَصَهْ؛ إِذ كان أول الأَبنية؟.
قيل له:
الثنائي قليل المورد في الكلام؛ مضبوط العدد في الإِحصاء، حتى لم يجئ إلاّ أداةً أو ما شاكل الأداة أو نَدْهًا (^٧) أو حكاية، ولم يكن له تصريف مع هذا، لأن أكثرَ مالَه القلبُ؛ وقلَّما يتفق استعماله على وجهين. فلمَّا كان كذلك عدل عنه إلى الأكثر مبانيَ ومعاني؛ والأوفر حظًّا من التصاريف وقِسْمًا، وهو الثلاثي.
*** واعلم: أن الخليل لمّا هَمَّ بجمع كلام العرب أجال فكره فيما يبني عليه كتابه ويدير عليه أبوابه، فنظر في الحروف كلِّها، وذاقها، ووجد مخرج الكلام كله من الحَلْق، فصيَّر أوْلاها بالابتداء أدْخَلَ حرفٍ منها في الحلق، وكان ذلك
_________________
(١) في الأصل وك: «تستحقها»، والسياق يقتضي ما أثبتناه.
(٢) «لم» لم ترد في ك.
(٣) النده: الزجر.
[ ١ / ٥٩ ]
العين، فجعلها أول الكتاب، ثم ما قرب منها؛ الأرفع فالأرفع (^٨).
وهذه صورة الحروف على الولاء؛ وذِكْرُ نسبتها إِلى مخارجها، وهي تسعة وعشرون حرفًا:
ع. ح. هـ. خ. غ حَلْقِيَّة (^٩)
ق. ك لَهَوِيَّتَان (^١٠)
ج. ش. ض شَجْريَّة
ص. س. ز أَسَلِيَّة
ط. د. ت نِطْعيَّة
ظ. ذ. ث لِثويَّة
ر. ل. ن ذَلَقيَّة
ف. ب. م شَفَويَّة
ي. و. ا. [الهمزة] (^١١) هوائية
*** [/٢ أ] فإِن قال قائل:
فَلِمَ ابتدأَ الخليل بالعين؛ وقد قال سيبويه وجماعةٌ [من] (^١٢) النحويين:
لحروف العربية ستة عشر مخرجًا، فأقصاها مخرجًا: الهمزة والهاء، ومن وسط الحلق: العين والحاء، وأدناها: الغين والخاء؟ (^١٣).
_________________
(١) «فالأرفع» لم ترد في ك.
(٢) في الأصل خرم بمقدار هذه الكلمة أصلح وكتب عليه «حلقية» بخط آخر.
(٣) في الأصلين: «لهويّان»، وما أثبتناه من العين:١/ ٥٨.
(٤) زيادة من العين:١/ ٥٨ ليكون المجموع تسعة وعشرين حرفًا.
(٥) زيادة من ك، والظاهر أنها قد سقطت من ناسخ الأصل بعد أن ضبط «جماعة» بالتنوين.
(٦) يراجع كتاب سيبويه:٢/ ٤٠٥.
[ ١ / ٦٠ ]
فقد قرأتُ لشيخنا أبي العباس المبرّد﵀ما أحكيه؛ قال: الذي ثبت عندنا عن الخليل أنه قال: مخارج حروف الحلق ثلاثة: فالأول مخرج الهمزة والهاء، والثاني مخرج العين والحاء، والثالث مخرج الغين والخاء. فإِنْ كان تقديمه العين من أجل أنها توسَّطت المخرجين ولحقتْ بالطرفين فهو حَسَن، وإِلاَّ فلا معنى لإِيثار تقديم العين. هذا آخر ما قاله.
ونحن نقول-وبالله التوفيق-:
إِن الهمزة والهاء وإِنْ كان لهما التقدُّم في المخرج على اخواتهما من الحروف الحلقية؛ فإِنَّ الخليل إِنما عدل عن الابتداء بهما لأنَّ الهمزة مَهْتوتة مضغوطة؛ فإِذا رُفِّهَ عنها لانتْ فصارت ياءً أو واوًا أو ألفًا، وهذه طريقة تخالف طرق الحروف الصحيحة (^١٤). ثم انه يتسلَّط عليها من نقل الحركات عنها والانقلاب والحذف مثل ما يتسلَّط على حروف العلَّة أو أكثر، حتى عُدَّ مِن جملتها. والهاء أيضًا فيها هَتَّةٌ (^١٥) وخفاء، وقد حُذِفتْ من الطرف حَذْفَ حروف المدِّ واللين وزيدتْ زيادَتها وتُبْدَل من الهمزة وتشركها في كونهما (^١٦) من الدرجة الاولى. فلمّا كان كذلك عدل عنهما إِلى العين. ويقوّي الابتداء بها أيضًا أنها- مع كونهما على ما وصفنا-أنصع الحروف جَرْسًا وأَلذُّها سماعًا، حتى لا تدخل في بناءٍ إِلاّ حسَّنَتْه، ولذلك كثر ترددها في كلامهم، حتى لا بابَ أكبر من العين.
قال الخليل: وإِنما بدأنا [الأبنية] (^١٧) بالمضاعَف لأنه أخفُّ على اللسان وأَقربُ مأخذًا للمتفهِّم، إِنْ شاء الله.
_________________
(١) العين:١/ ٥٢.
(٢) العين:١/ ٥٧. والهت: شبه العصر للصوت.
(٣) في الأصل: «كونها» وما أثبتناه من ك، والضمير يعود على الهمزة والهاء.
(٤) زيادة من العين:١/ ٦٠.
[ ١ / ٦١ ]