كتاب الطهارة
الكتاب: مصدر سمي به المكتوب، كالخلق بمعنى المخلوق، يقال: كتب كتبا وكتابة، والكتب: الجمع، يقال: كتبت البغلة، إذا جمعت بين شفريها بحلقة أو سير "لئلا ينزى عليها"١، قال سالم بن دارة: "من البسيط"
لا تأمنن فزاريًّا خلوت به على قلوصك واكتبها بِأَسْيَار٢
ومنه الكتيبة، وهي الجيش٣، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب الطهارة، أي الجامع لأحكامها.
_________________
(١) ١ العبارة التي بين معقوفتين زيادة من التاج واللسان. ٢ البيت في التاج واللسان والأساس والجمهرة: ١/ ١٨٢-١٩٧ و٢/ ٣٤٠ من غير نسبة فيها. وفي التاج: "علي بعيرك" بدل "على قلوصك" وهو أيضا في الشعر والشعراء: ١/ ٣٦٣. القلوص الناقة الشابة. والأسيار جمع سير وهو الشراك، وقد ورد البيت في سياق قصة طريفة ممتعة ذكرها صاحب "شذرات الذهب" ٢/ ١٦٨ فانظرها. ٣ كذا في: "ش" وفي "ط" ورد على الشكل التالي: "ومنه الكتيبة واحدة الكتائب، وهو العسكر المجتمع: تكتب تجمع، وقيل: هي العسكر الذي يجتمع فيه جميع ما يحتاج إليه للحرب، ومنه: كتبت الكتاب أي: جمعت فيه الحروف والمعاني المحتاج إليه، وهو في الاصطلاح: اسم لجنس من الأحكام ونحوها تشتمل على أنواع مختلفة: كالطهارة مشتملة على: المياه، والوضوء، والغسل، والتيمم وإزالة النجاسة وغيرها". وهذه الصيغة فيها توضيح أكثر للمعنى لذلك أثبتناها.
[ ١٤ ]
والطهارة في اللغة، النزاهة عن الأقذار، يقال: طهرت المرأة من الحيض، والرجل من الذنوب، بفتح الهاء وضمها وكسرها، وهي في الشرع:
إرتفاع ما يمنع الصلاة، وما أشبهه من حدث أو نجاسة بالماء، أو ارتفاع١ حكمه بالتراب، فدخل في ارتفاع ما يمنع الصلاة: الوضوء، والغسل، وغسل النجاسة، وفيما أشبهه، تجديد الوضوء، والأغسال المستحبة، والغسلة الثانية والثالثة، ودخل في ارتفاع حكمه بالتراب التيمم، فإنه يرفع حكم ما يمنع الصلاة، ولا يرفع الحدث على الصحيح من المذهب٢.
قوله: "باب المياه" أي: هذا باب المياه، والباب معروف، وقد يطلق على الصنف، يقال: أبواب مُبَوَّبَةٌ، أي أصناف مصنفة.
والباب، ما يدخل منه إلى المقصود ويتوصل به إلى الاطلاع عليه، فقوله: باب المياه، أي: الموصل إلى معرفة أحكامه وكذا إلى آخر الكتاب.
والمياه: جمع ماء، وهمزته منقلبة عن هاء، فأصله موه، وجمعه في القلة، أمواه، وفي الكثرة مياه، كجمل وأجمال، وجمال، وهو اسم جنس، وإنما جمع لاختلاف أنواعه٣ فإن قلت: أنواع الماء ثلاثة، فلِمَ جمع، جمع الكثرة وهو لما فوق العشرة، وهلَّا قال: باب الأمواه، قلت: الجواب من وجهين:
_________________
(١) ١ كذا في "ش" وفي "ط": رفع. ٢ ما بين الرقمين سقط من "ط". ٣ في "ط": "لكثرة أنواعه".
[ ١٥ ]
أحدهما، أن فِعَالًا عند الكوفيي، جمع قلة، نقله شيخنا ابن مالك١ عنهم.
والثاني، أنه جمع جمع الكثرة، لكثرة ما في الدنيا منه، ودخلت الألف واللام، لتدل على العموم، فيصير كأنه قال: باب حكم كل ماء.
قوله: "طَهُور": الطهور: بفتح الطاء، الطاهر في ذاته، المطهر غيره، كذا قال ثعلب، والطُّهُور بالضم: المصدر، وقد حكي فيهما الضم والفتح.
قوله: "بِمُكْثِهِ": يجوز فيه، ضم الميم وفتحها وكسرها، وهو مصدر: مكث بفتح الكاف وضمنها، أي: أقام.
قوله: "كَالطُّحْلُبِ": الطُّحْلُبُ: "بضم اللام وفتحها": الأخضر الذي يعلو الماء، يخرج من أسفله حتى يعلوه، ويقال له: العرمض أيضا، بفتح العين المهملة والميم، ويقال له: ثور الماء أيضا.
قوله: "كالعُود": المراد به العود القماري "بكسر القاف" منسوب إلى قمار، موضع ببلاد الهند عن أبي عبيد البكري٢.
_________________
(١) ١ هو، أبو عبد الله جمال الدين، محمد بن عبد الله بن مالك الطائي، الجياني الشافعي النحوي اللغوي المقرئ، ولد في الأندس سنة ٦٠٠هـ، وانتقل إلى دمشق واستقر فيها: وكان إماما في اللغة والنحو والقراءات، وكان ﵀ متين الدين، صادق اللهجة، كثير النوافل، حسن السمت، ومصنفاته كثيرة منها "الخلاصة" - ألفية ابن مالك - و"تسهيل الفوائد" و"إكمال الإعلام بتثليث الكلام" وقصيدة دالية في القراءات بمقدار الشاطبية، توفي في دمشق سنة: ٦٧٢هـ، انظر: ترجمته في"العبر": ٥/ ٣٠٠ و"طبقات الشافعية الكبرى": ٨/ ٦٧ و"مرآة الجنان": ٤/ ٧٢ و"البداية والنهاية": ١٣/ ٢٦٧، و"شذرات الذهب": ٧/ ٥٩٠-٥٩١. ٢ هو، أبو عبيد، عبد الله بن عبد العزيز بن أبي مصعب الأندلسي، إمام لغوي إخباري متفنن، له عدة مصنفات منها: "معجم ما استعجم من البلاد والمواضع"، انظر: ترجمته في "بغية الوعاة": ٢/ ٤٩.
[ ١٦ ]
قوله: "والكافور": هو المشموم من الطيب، قال ابن دريد١: أحسبه ليس بعربي محض لقولهم٢: قفُّورٌ، وقافُورٌ، وقال أبو عمرو٣، والفَرَّاء: الكافور الطلع، وقال الأصمعي٤: وعاء طلع النخل، فعلى هذا يطلق عليهما، والمراد به ها هنا، المشموم الذي ذكره الفقهاء، والمراد: وقطع الكافور، فإن كان مسحوقا سلب الطهورية؛ لكون تغييره بالمخالطة٥.
قوله: "يرفع الأحداث": الأحداث: جمع حدث، وهو ما يوجب الوضوء أو الغسل "أو كلاهما أو بدلهما قصدًا واتفاقا: كالحيض، والنفاس، والمجنون والمغمى عليه"٦.
قوله: "ويزيل الأنجاس": الأنجاس: جمع نجس بفتح النون
_________________
(١) ١ هو، محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، اللغوي النحوي العماني، صاحب "الجمهرة"، كان أحفظ الناس، ومات عام: ٣٢١هـ، انظر: ترجمته في "بغية الوعاة": ١/ ٧٦. ٢ في "ط": "لأنهم ربما قالوا". ٣ هو، أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله، المازني النحوي المقرئ، اختلف في اسمه وقيل: اسمه كنيته، إمام أهل البصرة في القراءات والنحو واللغة، أخذ عن جماعة من التابعين، وهو أحد القراء السبعة المشهورين، انظر: "بغية الوعاة": ٢/ ٢٣١. ٤ هو، عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع، الأصمعي الباهلي، أحد أئمة اللغة والغريب، والأخبار والنوادر والملح وقال الشافعي ﵀: ما عبر أحد من الغرب بمثل عبارة الأصمعي قالوا صدوق له عدة مصنفات، وفاته سنة: ٢١٥هـ، بخلف، انظر: ترجمته في "بغية الوعاة": ٢/ ١١٢. ٥ كذا في "ش"، وفي "ط": "سلب طهوريته لأنه يتغير بالمخالطة"، والضمير المستتر في الفعل يتغير يعود على الماء. ٦ ما بين المعقوفتين من "ط".
[ ١٧ ]
والجيم وكسرها١، وهو في اللغة المستقذر، يقال نجس ينجس، كعلم يعلم، ونجس ينجس، كشرف يشرف، وهو في الاصطلاح كل عين حرم تناولها مع إمكانه، لا لحرمتها ولا استقذارها، ولا لضرر بها، في بدن أو عقل.
قوله: "فصلٌ": الفصل الحجز بين الشيئين، ومنه فصل الربيع؛ لأنه يحجز بين الشتاء والصيف، وهو في كتب العلم كذلك؛ لأنه يحجز بين أجناس المسائل وأنواعها.
قوله "أو غمس يده": اليد أصلها يدي، ولم تبن مع كونها على حرفين؛ لكون الثالث يعود إليها في التثنية والجمع، كقوله: يديان بيضاوان عند محرق، وقوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ٢ ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٣ واليد حقيقة في اليد إلى المنكب، ثم تستعمل في غير ذلك بقرينة، ففي الوضوء، خرج ما فوق المرفق بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وفي السرقة إلى الكوع بقرينة قطعه ﷺ من الكوع، وكذا هنا المراد إلى الكوع، فلو أدخل ما فوق ذلك إلى الماء لم يؤثر فيه شيئا، وإدخال بعض اليد كإدخال جميعها في وجه، ولها فروع لا يحتملها هذا المحتضر.
قوله: "بولًا أو عَذِرَةً": المراد بول الآدميين "وعذرتهم"٤.
قوله: "ما بَلَغَ قُلَّتَيْن": القلتان: واحدتهما قلة، وهي الحرة، سميت بذلك؛ لأن الرجل العظيم يقلها بيديه، أي يرفعها، يقال: قل الشيء وأقله: إذا رفعه.
_________________
(١) ١ وكسرها: أي كسر الجيم. ٢ سورة المائدة: الآية ٦٤. ٣ سورة المائدة: الآية ٦. ٤ ما بين معقوقتين لم يرد في "ش" وأثبتناه من "ط" والعَذِرة: الخَرْءُ. والجمع: خُروء مثل: فَلْس وفُلُوس "المصباح المنير".
[ ١٨ ]
قوله: "خمس مئة رطل": الرَّطل: الذي يوزن به بكسر الراء ويجوز فتحها، حكاهما يعقوب١، عن الكسائي٢، وللعلماء في مقدار الرِّطل العراقي ثلاثة أقوال:
أصحها أنه مئة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم.
والثاني: مئة وثمانية وعشرون والثالث: مئة وثلاثون.
فالقلتان إذن بالرطل الدمشقي على القول الأول على الرواية الأولى التي هي الصحيحة: مئة رطل وسبعة أرطال وسُبُعُ رطل، وعلى رواية أربعمائة: تكون القلتان، خمس وثمانين رطلا وخمسة أسباع رطل.
قوله: "لم يتحر": التحري، طلب ما هو أحرى، في غالب ظنه أي أحق، ومنه قوله تعالى ﴿فَأُوْلَئكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ ٣ أي: توخوا وعمدوا، كله عن الجوهري.
قوله: "توضأ من كل واحد": توضأ: مهموز، ويجوز ترك همز، كلاهما عن الجوهري.
_________________
(١) ١ هو، يعقوب بن إسحاق بن السِّكِّيت، أبو يوسف الإمام النحوي الكبير، وصاحب كتاب "إصلاح المنطق"، وغيره سبق أقرانه في الأدب مع حظ وافر في السنن والدين، مات سنة ٢٤٤هـ، ترجمته في "شذرات الذهب": ٣/ ٢٠٣ و"سير أعلام النبلاء": ١٢/ ١٦ و"بغية الوعاة": ٢/ ٣٤٩. ٢ هو، علي بن حمزة بن عبد الله بن عثمان، مولى بني أسد أبو الحسن، أحد القراء السبعة المشهورين، إمام الكوفيين في النحو واللغة أدب، ولد الرشيد، مات سنة: ١٨٩ وقيل غير ذلك، ترجمته في "سير أعلام النبلاء": ٩/ ١٣١ و"بغية الوعاة": ٢/ ١٦٢ و"شذرات الذهب": ٢/ ٤٠٧ وهو مترجم في آخر كتابنا هذا أيضا. ٣ سورة الجن: الآية ١٤.
[ ١٩ ]
قال شيخنا الإمام، أبو عبد الله بن مالك ﵀ في نظمه الأوجز، توَضَّيتُ لُغَةٌ في توضأتُ١.
_________________
(١) ١ وفي "الصحاح": وتوضأت للصلاة، ولا تقل: توضيت. وضعف صاحب القاموس قول القاتل: توضَّيت بقوله: توضيت لغية أو لثغة وفي التاج عن الحسن أنه قال يوما توضيت بالياء فقيل له: أتلحن يا أبا سعيد؟ فقال: إنها لغة هذيل وفيهم نشأت.
[ ٢٠ ]