﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٧، ١٨]
_________________
(١) [قر ١٧/ ١٦٢]. وعبارة الآية صالحة أن يفسر المروج فيها باختلاطهما في الأصل والمصير حيث يستخلص العذب من الملح بالتبخر، ثم يعود إليه بعد انتفاع الخلق به - دون أن يتحول أحدهما إلى جنس آخر.
[ ١ / ١٠٦ ]
"البَرْق - بالفتح ذاك الذي يلمع في الغيم (ويقارن الرعد) معروف. والأَبْرَق والبُرقة - بالضم: غَلْظٌ فيه حجارة ورمل وطين مختلطة.
بَرَق النجم (كنصر): طَلَع، وبَصرُه: تلألأ، (وكفرح ونصر): تحيّر حتى لا يطرِفَ، أو دَهِشَ فلم يبصر. وبَرَّق فلان عينيه - ض: أوسَعَهما ولَأْلَأ بهما من شدة النظر. وبَرِق السِقاء (كفرح): أصابه الحرّ فذاب زُبْده وتقطع فلم يجتمع ".
° المعنى المحوري هو: حدّة تبرز إلى الظاهر (بقوة أو اندفاع) من عمق ما يكتنفها: كلمعان البرق من جوف السحاب، وكالحجارة الموصوفة تخرج من الأرض حادّة، وكالنجم من الأفق لامعًا، ولمَعَانِ العين أو بياضها من بين جفنيها، وتسلُّطِ الحرارة على الزبد فيذوب ويبرق على ظاهر السقاء أو اللبن. (يلحظ أن صيغة فَعِل قرية من المبني للمفعول). ومنه: "بَرَقَت المرأة (نصر): تحسّنت وتزينت (زينةٌ حادَّة الوقع على الناظر تلفته). وبرّق فلان (ض): سافر بعيدًا (وكأنما اندفع من مقره فأبعد). وأَبْرَقَ الصيدَ: أثاره (فاندفع فارًّا بأقصى سرعته). فكل ذلك فيه حدة مندفعة من جوف أو مُكتَنَف: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩]، (وكل كلمات ﴿بَرْق﴾ هي بَرْق السحاب هذا). ومنه: "بَرَقَ الرجلُ الطعام (نصر): صبّ فيه الزيت، وابرُقوا الماءَ بزيت: صُبُّوا عليه زيتًا قليلًا - وبَرَقَ الأُدْمَ بالزيت والدَسَم: جعل فيه شيئًا يسيرًا. والبَرِيقة: طعام فيه لبن وماء يُبْرق بالسمن والإهالة ". كل ذلك إصابة أو تزويد بخارج من الجوف قويّ الأثر، وهو الزيت والدسم. وقوة أثره أنه قليل ولكن عنه تكون القوة (١)،
_________________
(١) جاء في [ل طرق]: "وما به طِرْقٌ أي قوة. وأصل الطِرْق الشحمُ، فكُنى به عنها لأنها أكثر ما تكون عنه "اهـ.
[ ١ / ١٠٧ ]
ويُصْلح ما يوضع فيه. ثم إن الزيت تتسع بقعته على الماء والطعام أكثر من حجمها، وكذا الدسم مع اللمعان. أما ﴿بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] فمعناه: فَزع وبُهت وتحير فلم يَطْرِفَ، وبرَق: لمع من شدة الشخوص فترةً لا يطرف [قر ١٩/ ٩٥ - ٩٦] وكلاهما فيه لمعان العين، ويتأتى عند الفزع العظيم للموت أو لقيام الساعة. ومن ذلك الإبريق: إناء له بلبل (قناة) يُصَبّ منها الشيء القوي الأثر كالخمر قليلًا قليلًا [انظر ل برق] تر الشواهد على استعمالهم الإبريق للخمر، وأنها كانت مثل الأباريق التي بأيدينا الوم في الشكل والمادة التي صنعت منها. ولم يكن صوغها على هذا الشكل إلا للتحكم في النازل منها بحيث يمكن صبُّ القليل منه - لحدة أثره، كما في بَرْق الطعام بزيت ونحوه مما سبق. زد على ذلك أن الخمر التي كانت تستعمل لها الأباريق توصف باللمعان والبريق كما قال أبو نواس:
فَعَلَتْ في البيت إذ مُزِجَتْ مثلَ فِعْل الصُبح فيه الظُلَم
ووزن إفعيل شائع في العربية (كإخريط وإبريج وإبريز الخ) ولا حاجة بعد ذلك إلى التماس أصل أجنبي عُرِّبَتْ عنه كلمة إبريق كما في [ق، ول، والمعرب ١٢٠] الخ) ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨].
- أما الإستبرق: الديباج الغليظ الخشن/ ما غلُظ من الحرير والإبْرَيْسم ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤ وكذا ما في الكهف: ٣١، الدخان: ٥٣، الإنسان: ٢١] فقد قالوا أصله استبره/ استروه/ استفره [ل (برق) والمعرب للجواليقي شاكر ٦٣، عبد الرحيم ١٠٨] وهذا قد يقبل، لكن للبحث فيه مجالًا:
[ ١ / ١٠٨ ]
(أ) فإن فيه البريق، وقد صغروه على "أُبيرق "وجمعوه على أبارق فأعادوه إلى البرق. (ب) والوزن ليس غريبًا مع قولهم: استبرق المكان: لمع بالبرق. وتكون السين والتاء للمبالغة، مثل قوله: (يستبرقُ الأُفُقُ الأقصى إذا ابتسمت).
ثم إنه قد جاءت أسماء كثيرة جدًّا على وزن الفعل كإثْمِد وأَفْكَل وينبُع ويَسْتَعُور (شجر تتخذ منه مساويك - كالفعل المسند يستقون).
ج - هذا وقد ألحق ابن فارس، في المقاييس، بكل باب فصلًا للألفاظ المركبة من مقاطع ذوات معان مُزجت في معنى جديد. فإذا أخذنا بذلك وجدنا أن السَتاه والسَتَى - كالفتى، والأُسْتِىّ - كجندي: تعني السَدَاة (ضد اللُحْمة) فكأن النسيج إذا مُزِجَ بما له بريق عنى ما يَبْرُقُ سَتاه أي ما ستاه من حرير أيضًا كالإستبرق. وهناك أيضًا (السِبْر: الهيأة الحسنة) و(السَرَق: الحرير) وهما تأتيان بالاستبرق أيضًا. لكني مع ذلك كله أترك الحكم لاقتناع الدارس.