للمرحوم الأستاذ محمد عبد الغني حسن/ عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة
هذا كتاب فى اللغة يعد أقدم معجم شامل للمشترك اللفظي، وضعه عالم مصري من رجال القرن الرابع الهجري هو أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي المشهور بكراع، أو كراع النمل، ويمثل المدرسة الكوفية وإن كان صاحب "إنباه الرواة" قد عده من رجال المذهبين وإن كان إلى قول البصريين أميل.
وقد ضاع أكثر كتب كراع، ولم يصل إلينا منها إلا اثنان: المُنَجَّد، والمنتخَب. ويُعَدّ صدور المنجد كسبًا عظيمًا للمكتبة العريية، فهو يطبع لأول مرة بتحقيق اثنين على صلة وثيقة باللغة العربية. وقد كان طي هذا الكتاب في ظلمات خزائن المخطوطات أو معاهدها عجيبة من العجائب التى ترتكب ضد الكتاب الجيد المفيد، كما أن نشره يعد مأثرة يفرح بها، ويهلل لها اللغويين والعلماء. ولا حاجة بنا هنا إلى الإبانة عن قيمة هذا الكتاب، ومكانة صاحبه من الثقة العلمية بعد المقدمة الطويلة التى صدّر بها المحققان هذا الكتاب دراسة له، وتعريفًا به وبصاحبه. ولهذا كان نشر هذا الكتاب ضرورة علمية استجاب لها محققاه، فهو ألصق بموضوع "اللغة" التى يقوم مجمعنا سادنا لها -من أي كتاب عداه.
الحمد لله أن أتاح لهذا المخطوط الثمين -أعنى لتحقيقه- اثنين من المشتغلين بموضوع اللغة، فالكتاب بموضوعه ليس غريبًا عليهما، وما زلتُ أذكر أن أحد محققيه قد أفاد منه فائدة عظيمة فى كتاب له ألفه عن "تاريخ اللغة
[ ٥ ]
العربية في مصر"، ولا غرابة في ذلك فإن كُراع النمل قد ضمن كتابه هذا بعض تعبيرات كانت في الأغلب تمثل عريية مصر في زمانه، كما تمثل الجنوب العربي لشبه الجزيرة.
والحق أن مقدمة التحقيق قد كتبت في منهجية علمية سليمة، وفى أسلوب مستقيم ذي بيان، وفيها تواضع واعتداد، شأن العلماء الذين لا يجرحون ولا يتطاولون.
فقد كان كشفهما لأوهام غيرهما مسوقا في أرق بيان، وأعف لسان. (انظر ص ١٢، ص ١٧) وقد حرص المحققان على تخريج شواهد الكتاب من آيات الذكر الحكيم، وأحاديث النبي، وأشعار العرب وأمثالهم. وهو عمل يكشف عن جهد طيب وأناة ومثابرة وطول تعقب في مختلف المظان وأمثالهم. وهو عمل يكشف عن -٤٤ - ٤٧ - ٤٨ - ٥١ - ٥٣ - ٧٧ - ٩٧ على سبيل المثال. وفى سبيل تخريج الشواهد الشعرية قصد المحققان -طلبًا للاختصار- إلى إغفال ذكر اختلاف الروايات، إلا إذا كانت الرواية تتعلق بموضوع الشاهد، فحينئذ أوجبا على نفسيهما النص عليه. وهذا عمل لا غبار عليه. كما أوجب عليهما ذلك المنهج الاقتصاد في تفسير الغريب من الألفاظ، وترك التعريف بالأعلام، لأن ذلك في تقديرهما -غير معهود في تحقيق المعاجم.
وقد كنا نود لو أنهما لم يغفلا التعريف بالأعلام، فإن هذا كسب للقارئ المستفيد، وخاصة أن (المُنَجَّد) لا يعد من المعاجم العامة، بل هو معجم خاص.
وقد دعاني إهمال أكثر محققي زماننا هذا الشعر وضبطه وإقامة وزنه - جهلًا أو تجاهلًا- وخاصة في أحد كتب مسابقة التراث هذا العام -إلى تدقيق النظر
[ ٦ ]
في الشعر الذى ورد في طبعة (المُنَجَّد) هذه، فوجدته مستقيمًا سليم الوزن صحيح النص والرسم والحق أن الضبط كله في هذا الكتاب -حتى ضبط الشعر بالشكل- قد خرج على وجه صحيح على الرغم من مشكلات الطباعة والمطابع في هذه الأيام.
وأكاد أتخيل الجهد العظيم الذى بذله المحققان في تصحيح تجارب الطبع، وخاصة مع ازدحام النص بالشكل التام.
وقد دونت مراجع التحقيق في سبع صفحات، وفي عناية وتدقيق لأسماء الكتب وأسماء أصحابها وأمكنة طبعها وتواريخه. فلم نكد نعتر فيها على وهم أو إهمال.
أما الفهارس المتنوعة التي أمد المحققان بها الكتاب فهي عمل علمي يعلي من قيمة التحقيق ويزيد الانتفاع بالكتاب، ويسهل الرجوع إليه. وهي فهارس لكل من الأبواب والمواد اللغوية والأعلام والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأمثال والشعر واللهجات والأضداد.
ومن هنا أرى مطمئنًا أن هذا الكتاب المحقق عمل علمي دقيق، ويستحق الجائزة المقررة.
وبالله التوفيق
٥/ ١١/١٩٧٩م.
محمد عبد الغني حسن
عضو مجمع اللغة العربية
[ ٧ ]
بِسم اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم