وَالثَّيِّب يكون للرجل وَالْمَرْأَة وَكَذَلِكَ الْبكر والعانس قَالَ قيس بن رِفَاعَة الوَاقِفِي من الْبَسِيط منا الَّذِي مَا عدا ان طر شَاربه والعانسون وَفينَا المرد والشيب
والكهول من الرِّجَال هم الَّذين جازوا الثَّلَاثِينَ قَالَ الله تَعَالَى فِي
[ ١ / ٢٣١ ]
عِيسَى ﵇: ﴿ويكلم النَّاس فِي المهد وكهلا﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ ابْن ثَلَاثِينَ وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم اكتهل النَّبَات اذا تمّ وَقَوي قبل أَن يهيج ثمَّ لَا يزَال الرجل كهلا حَتَّى يبلغ خمسين ويشيخ وَلَيْسَ لَهُ حد قَالَ الوَاقِفِي من الْبَسِيط هَل كهل خمسين ان شاقته منزلَة مسفه رَأْيه فِيهَا ومسبوب وَمن قَالَ كَذَا لبني تَمِيم فَهُوَ للذكور والاناث لِأَن الْبَنِينَ اذا خالطوا الْبَنَات غلب الذُّكُور فَقيل هَذِه بَنو تَمِيم قد انْتَقَلت وَهِي رجال وَنسَاء وان لم يكن بذلك الْمَكَان فهم الا اناث فَهُوَ لَهُم لِأَنَّهُ أَرَادَ من وَلَده تَمِيم وَكَذَلِكَ ان قَالَ لتميم وَهَذَا يجوز فِي الْقَبِيل [٢٧ / ب] الْأَعْظَم الْمَشْهُور دون الْأَب الْأَدْنَى وَمن قَالَ كَذَا وَكَذَا لبني عبد الله فَهُوَ للاثنين فَمَا فَوْقهمَا لِأَن الِاثْنَيْنِ جَمِيع إِنَّمَا هما وَاحِد جمع مَعَ الآخر قَالَ الله جلّ وَعز: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس﴾ يُرِيد أَخَوَيْنِ فَصَاعِدا وَقَالَ: ﴿وَلما سكت عَن مُوسَى الْغَضَب أَخذ الألواح﴾ جَاءَ فِي التَّفْسِير أَنَّهُمَا لوحان وَقَالَ: ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ وهما قلبان وَمثل هَذَا كثير قد بَينته فِي كتاب تَأْوِيل مُشكل الْقُرْآن فِي بَاب مُخَالفَة ظَاهر الْكَلَام مَعْنَاهُ.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وان قَالَ لولد فلَان فَالْوَلَد يَقع على الْوَاحِد والاثنين والجميع وَمن قَالَ لأرامل بني فلَان فَهُوَ على طَرِيق اللُّغَة للرِّجَال وَالنِّسَاء لِأَن الأرامل تقع على الذُّكُور والاناث يُقَال امْرَأَة أرملة وَرجل أرمل قَالَ الشَّاعِر من الزّجر أحب أَن أصطاد ضبا سحبلا رعى الرّبيع والشتاء أرملا
أَرَادَ لَا أُنْثَى لَهُ لِأَنَّهُ إِذا سفد هزل.
وَقَالَ يزِيد الرقاشِي قيل لأعرابي تمنه فَقَالَ ضَب أَعور عنين بِأَرْض كلدة.
طلبه عنينا لِأَن المَاء اذا بَقِي فِي ظَهره كَانَ أسمن لَهُ وَطَلَبه أَعور لقلَّة تلفته وَالْأَرْض الكلدة الغليظة واذا كَانَت الضباب فِي الْحِجَارَة وبالبعد من المَاء كَانَ أسمن لَهَا.
حَدثنِي اسحق بن رَاهَوَيْه ثَنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن طَلْحَة الأعلم عَن الشّعبِيّ فِي رجل أوصى لأرامل بني حنيفَة قَالَ تُعْطى من خرج من كمرة حنيفَة قَالَ وأنشدنا غير وَكِيع من الْبَسِيط.
[ ١ / ٢٣٣ ]
.. هذي الأرامل قد قضيت حَاجَتهَا فَمن بحاجة هَذَا الأرمل الذّكر [٢٨ / أ]
وَأما أَصْحَاب الرَّأْي فيرون الأرامل من النِّسَاء دون الرِّجَال هَذَا هُوَ الَّذِي يعرفهُ عوام النَّاس ويقصدون إِلَيْهِ فِي الْوَصِيَّة وَذَلِكَ لَا يعرفهُ الا الْخَواص وانما تقع الْفتيا على الْمَشْهُور المتعالم الْمَعْرُوف وعَلى قدر علم الْمُوصي وطبقته فِي النَّاس وَنِيَّته.
وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس ﵀ عَن رجل مَاتَ وَأوصى ببدنة أتجزئ عَنهُ بقرة فَقَالَ نعم ثمَّ قَالَ وَمِمَّنْ صَاحبكُم قيل لَهُ من بني رَبَاح فَقَالَ وَمَتى اقتنت بَنو رَبَاح الْبَقر الى الابل وهم صَاحبكُم أَي ذهب وهمه فَلم يَجْعَل الْفتيا مَا يحْتَملهُ اللَّفْظ عِنْده وَلكنه قصد بهَا الى النِّيَّة وَلَو أَن رجلا قَالَ ثُلثي لموَالِي لم يكن ذَلِك الا لمواليه بالعتاقة دون بني عَمه وقرابته وهم أَيْضا موَالِيه قَالَ الله جلّ وَعز: ﴿وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي﴾ يَعْنِي الْعصبَة وَلَو قَالَ للغلمان لم يكن الا للذكور وَقد تَقول الْعَرَب لِلْجَارِيَةِ غلامة قَالَ الشَّاعِر فِي وصف فرس لَهُ من الوافر تهان لَهَا الغلامة والغلام
وَلَو قَالَ للرِّجَال لم يكن الا رجلة قَالَ الشَّاعِر من المديد
[ ١ / ٢٣٤ ]
.. كل جَار ظلّ مغتبطا غير جيران بني جبله
هتكوا جيب فَتَاتهمْ لم يبالوا حُرْمَة الرجله
وَسُئِلَ بعض الْحُكَّام عَن رجل جعل مَالا فِي الْحُصُون فَقَالَ اشْتَروا بِهِ خيلا واحملوا عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله ذهب الى قَول الْجعْفِيّ [من الْكَامِل] وَلَقَد علمت على توقي الردى أَن الْحُصُون الْخَيل لَا مدر الْقرى
وَهَذَا من الألغاز والمنكرات الَّتِي لَا تذْهب الْعلمَاء اليها وانما قيل للقسم يَمِين لأَنهم كَانُوا اذا تحالفوا أَو توافقوا ضرب كل امْرِئ مِنْهُم يَمِينه على يَمِين صَاحبه كَمَا يفعل فِي بيعَة السُّلْطَان فَيُقَال أَخذ يَمِينه وَأخذ صفقته اذا فعل ذَلِك ثمَّ قيل للحلف بِاللَّه وَبِكُل مَا يحلف بِهِ يَمِين اذ كَانَ ذَلِك يَقع مَعَ التصافق بالأيمان.
وَنهى رَسُول الله ﷺ عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع وكل ذِي مخلب من الطير وَالْفرق بَين سِبَاع الْوَحْش وهائمها بالأنياب وأنيابها تكون فِي مقاديم أفواهها مَكَان الْأَسْنَان لبهائم الْأَنْعَام والسبع كل صائد أَو عَاقِر أَو آكل لحم وَلَا تسمى سبعا حَتَّى تكون كَذَلِك مثل الْأسد وَالذِّئْب وَالْكَلب
[ ١ / ٢٣٥ ]
والنمر والفهد.
فان بعض الْفُقَهَاء لَا يَرَاهَا سبعا وَيَقُول هِيَ نعجة من الْغنم وَلَو كَانَ قَالَ هِيَ حَلَال لظننا أَنه ذهب مَذْهَب من يُطلق جَمِيع السبَاع لقَوْل الله تَعَالَى ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ﴾ الْآيَة وَلكنه قَالَ هِيَ نعجة من الْغنم وَلست أَدْرِي لم أخرجهَا من السبَاع وَجعلهَا من بَهِيمَة الْأَنْعَام وَهِي تساور من تعرض لَهَا وتأكل الْجِيَف وَلُحُوم الْمَوْتَى وتفرس الْغنم كَمَا يفرس الذِّئْب قَالَ كثير وَذكر نَاقَة [من المتقارب] وذفرى ككاهل ذيخ الخليف أصَاب فريقة ليل فعاثا
والذيخ ذكر الضباع والفريقة من الْغنم الْأُنْثَى أضلها صَاحبهَا أَصَابَهَا الذيخ فعاث فِيهَا وعيثه أَنه يَأْكُل وَيقتل مَالا يَأْكُل وَقَالَ مَالك بن نُوَيْرَة [من الْكَامِل] يَا لهف من عرفاء ذَات فليلة جَاءَت إِلَيّ على ثَلَاث تخمع
[ ١ / ٢٣٦ ]
.. ظلت تراصدني وَتنظر حولهَا ويريبها دمق وأنى مطمع
وتظل تنشطني وتلحم أجريا وسط العرين وَلَيْسَ حَيّ يدْفع
لَو كَانَ سَيفي بِالْيَمِينِ ضربتها عني وَلم أوكل وجنبي الأضيع
وأنشدني الرياشي فِي وصف ضبع [من الوافر] دفوع للقبور بمنكبيها كَأَن بوجهها تحميم قدر
فَأخْبر أَنَّهَا تستثير الْمَوْتَى من الْقُبُور لتأكل لحومهم وأنشدني لساعدة بن جؤية الْهُذلِيّ يذكر مَيتا [من الوافر] وغودر ثاويا وتأوبته مذرعة أميم لَهَا فليل
والمذرعة الضبع لِأَن لَهَا خُطُوطًا فِي ذراعيها والفليل مَا تكبب من شعرهَا فَإِن كَانَ إِنَّمَا رخص فِي لَحمهَا لما أوجبته الْعلمَاء من الْفِدْيَة فِيهَا فَإِن ذَلِك إِنَّمَا وَجب لِأَنَّهَا لَا تبتدئ بالعقر
[ ١ / ٢٣٧ ]
وَلَا تعدو على حَيّ حَتَّى يعرض لَهَا وَكَذَلِكَ كل سبع يُؤمن فَفِيهِ الْفِدْيَة وترخص قوم فِي الثَّعْلَب وَلَا أَدْرِي أَيْضا لم ذَلِك فَإِن كَانَ لِأَنَّهُ قد يَأْكُل الثِّمَار وَالْأَعْنَاب وَلَا يساور لصِغَر جثته وَضَعفه فالأغلب عَلَيْهِ أكل اللَّحْم وَهُوَ يصيد كَمَا تصيد السبَاع وَذَا قوي على الأرنب فرسها وعَلى صغَار الشَّاء أكلهَا قَالَ دُرَيْد [من الطَّوِيل] إِذا نسبوا لم يعرفوا غير ثَعْلَب أَبِيهِم وَمن شَرّ السبَاع الثعالب
فَأَما الأرنب فَإِنَّهَا من هائم الْوَحْش تَأْكُل العشب وَلَا تصطاد وَإِنَّمَا كرهها من كرهها للْحيض
وَأما ذَوَات المخالب من الطير فَهِيَ سِبَاع الطير شبهت بسباع الْوَحْش لِأَنَّهَا تصطاد وتعقر وتجرح وتأكل اللَّحْم كالعقاب والبازي والصقر وَرُبمَا كَانَ من سِبَاع الطير مَا لَيْسَ لَهُ مخلب كالنسر لَا مخلب لَهُ إِنَّمَا ظفر كظفر الدَّجَاجَة وكالغراب والرخمة
فَإِن قَالَ قَائِل إِن هَذِه لَيست دَاخِلَة فِي التَّحْرِيم لِأَن رَسُول الله ﷺ حرم ذَوَات المخالب قيل لَهُ لم يكن الْقَصْد بِالتَّحْرِيمِ للمخلب وَلَا للناب وَإِنَّمَا المخلب علم للسباع من الطير كَمَا كَانَ الناب علما للسباع من الْوَحْش لِأَن المخالب تكون لأكثرها وَإِنَّمَا الْقَصْد بِالتَّحْرِيمِ لما صَاد وعقر وَأكل اللَّحْم وكل مَا فعل ذَلِك فَهُوَ محرم وَإِن لم يكن ذَا مخلب والنسر أعظم الطير جثة وأشدها قُوَّة
[ ١ / ٢٣٨ ]
والغراب سبع يَأْكُل اللَّحْم ويصيد حشرات الأَرْض والفأر وَيسْقط مَعَ الذِّئْب على الْجِيَف وَالْعرب تدعوهما الأصرمين لاجتماعهما على المآكل قَالَ المرار يذكر فلاة [من الوافر] على صرماء فِيهَا أصرماها وخريت الفلاة بهَا قَلِيل
يَعْنِي الذِّئْب والغراب وَقَالَ آخر [من الطَّوِيل] بملحمة لَا يسْتَقلّ غرابها دَفِينا ويمسي الذِّئْب فِيهَا مَعَ النسْر
قَوْله لَا يسْتَقلّ غرابها يُرِيد أَنه لَا يطير محلقا وَلكنه يطير عَن قَتِيل إِلَى قَتِيل وَسَماهُ رَسُول الله ﷺ فَاسِقًا لعِلَّة تذكرها فِيمَا بعد وَأمر بقتْله فِي الْحل وَالْحرم وَكَانَت الْعَرَب تتعاير بِأَكْل لَحْمه وتعده من الْخَبَائِث قَالَ وَعلة الْجرْمِي [من الوافر] فَمَا لحم الْغُرَاب لنا بزاد وَلَا سرطان أَنهَار البريص
[ ١ / ٢٣٩ ]
فَانْتفى من أكل لَحْمه وَعرض بِقوم يَأْكُلُونَهُ وقرنه بلحوم السراطين وَكَذَلِكَ الرخمة هِيَ أقذر الطير طعمة لِأَنَّهَا تَأْكُل الْعذرَة وَتَقَع مَعَ الْغرْبَان على الْجِيَف والقتلى قَالَ الْكُمَيْت يذكر رجلا غازيا [من الْبَسِيط] فِي دَاره حِين يَغْزُو من وضائعه مَال تنافسه الْغرْبَان والرخم
فَإِن احْتج مُحْتَج بالدجاج وقذر طعمه وَأكله اللَّحْم قُلْنَا لَهُ لَيْسَ الدَّجَاج سبعا لِأَن الْأَغْلَب عَلَيْهِ لقط الْحبّ وَإِنَّمَا يقْضى بأغلب الْأُمُور أَلا ترى أَنا قد نسمي الرجل حِرَاش أُمِّيا وَإِن كَانَ قد يكْتب الْحَرْف والحرفين والحروف وَكَذَلِكَ العصفور يشبه بسباع الطير لِأَنَّهُ يلقم فِرَاخه وَلَا يزق وَيَأْكُل اللَّحْم ويصيد النَّمْل وَالْجَرَاد إِلَّا أَنه يفارقها بِأَن الْأَغْلَب عَلَيْهِ لقط الْحبّ وَأَنه لَا مخلب لَهُ وَلَا منسر وَأَنه مِمَّا يعايش النَّاس ويصاحبهم وَلَا يحل إِلَّا حَيْثُ حلوا فَصَارَ شَبِيها بالدواجن من الطير والدجاج
[ ١ / ٢٤٠ ]