وَالظِّهَار الَّذِي تحرم بِهِ الْمَرْأَة مَأْخُوذ من الظّهْر وَذَلِكَ أَن تَقول لَهَا أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي فَكَانَت تطلق فِي الْجَاهِلِيَّة بذلك.
وَإِنَّمَا اختصوا الظّهْر دون الْبَطن والفخذ والفرج وَهَذَا أولى بِالتَّحْرِيمِ لِأَن الظّهْر مَوضِع الرّكُوب وَالْمَرْأَة مركوبة إِذا غشيت فَكَأَنَّهُ إِذا قَالَ أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي أَرَادَ ركوبك للنِّكَاح حرَام عَليّ كركوب أُمِّي للنِّكَاح.
فَأَقَامَ الظّهْر مقَام الرّكُوب لِأَنَّهُ مركوب وَأقَام الرّكُوب مقَام النِّكَاح لِأَن الناكح رَاكب وَهَذَا من لطيف الِاسْتِعَارَة للكناية.
وَقد أشكل على كثير من الْفُقَهَاء معنى قَول الله جلّ وَعز: ﴿ثمَّ يعودون لما قَالُوا﴾ حَتَّى ظن بَعضهم أَن الْمَرْأَة لَا تحرم على من ظَاهرهَا حَتَّى يُعِيد اللَّفْظ بالظهار ثَانِيَة فَيَقُول أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي وَهَذَا خلاف مَا أجمع عَلَيْهِ الْفُقَهَاء.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وَكَانَ الشَّافِعِي يذهب إِلَى أَن الْعود لما قَالُوا أَنه الْعود إِلَى إمْسَاك الْمَرْأَة وَالرَّغْبَة فِيهَا وَقَالُوا إِذا ظَاهر من امْرَأَته وَلم يطلقهَا فَكَأَنَّهُ لزمَه الظِّهَار لِأَن إِمْسَاكه عَن الطَّلَاق سَاعَة ظَاهر هُوَ معاودته لما حرم مِنْهَا فيمسكه وأحسب أَن أَبَا عبيد يتبعهُ على هَذَا القَوْل وَلَا أرى هَذَا التَّأْوِيل على طَرِيق اللُّغَة صَحِيحا لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ بِالْعودِ الرُّجُوع إِلَى إمْسَاك الْمَرْأَة وَالرَّغْبَة فِيهَا لقَالَ: وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما كَانُوا عَلَيْهِ أَي يعودون إِلَى التَّمَسُّك بِالنسَاء وَالرَّغْبَة فِيهِنَّ وَلم يقل ﴿ثمَّ يعودون لما قَالُوا﴾ لِأَن الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ لم يكن قولا إِنَّمَا كَانَ نِكَاحا وتعاشرا وائتلافا.
وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِ على طَرِيق التدبر وَالِاسْتِدْلَال وَالله أعلم أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يطلقون النِّسَاء بالظهار فَجعل الله جلّ وَعز حكم الظِّهَار فِي الْإِسْلَام خلاف حكمه عِنْدهم فِي الْجَاهِلِيَّة بِالْكَفَّارَةِ الَّتِي تحلهن لَهُم وَأنزل: ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم﴾ يُرِيد فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ يعودون لما قَالُوا يَعْنِي مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ من هَذَا الظِّهَار فِي الْإِسْلَام ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة من قبل أَن يتماسا﴾ وأضمر فكفارته وَمثل هَذَا من الْمَحْذُوف فِي الْقُرْآن كثير وَمِنْه قَوْله تَعَالَى
[ ١ / ٢١٠ ]
﴿فَإِن أحصرتم فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ أَي فكفارة ذَلِك مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي وَقَوله بعد ذَلِك ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ أَرَادَ فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه فحلق فَعَلَيهِ فديَة من صِيَام وشبيه بِهَذِهِ الْآيَة مِمَّا يشكل على كثير من أهل النّظر قَول الله تَعَالَى: ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَة أشهر﴾ وَذَلِكَ أَنهم رَأَوْا الْيَأْس يَقِينا والارتياب شكا وَلم يَأْتِ فِي الْقُرْآن الْأَمر الَّذِي وَقع فِيهِ الارتياب فَيَقُول إِن ارتبتم فِي كَذَا وَكَذَا من أمورهن فَقَالُوا فِيهِ أقاويل لَا تخفى على من تدبرها إِذا فهم مَا قُلْنَاهُ.
وَالْمعْنَى إِن الله جلّ وَعز لما ذكر عدَّة اللواتي يحضن من النِّسَاء فَقَالَ: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ ارتاب النَّاس فِي اللائي لَا يحضن من الْقَوَاعِد وَالصغَار فَلم يدروا كَيفَ يعتدن فَأنْزل الله جلّ وَعز: ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم﴾ فَلم تعلمُوا كَيفَ يعتددن ﴿فعدتهن ثَلَاثَة أشهر﴾ وَكَذَلِكَ عدد اللائي لم يحضن وَإِن فِي هَذَا الْموضع بِمَعْنى إِذْ كَأَنَّهُ قَالَ إِذا ارتبتم والمفسرون يُقِيمُونَ إِن فِي مقَام إِذْ فِي كثير من الْقُرْآن نَحْو قَول الله جلّ وَعز:
[ ١ / ٢١١ ]
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ وَقَوله جلّ وَعز: ﴿وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ .