للحديثُ النبويُّ مكانته التي لا تُنكَر؛ إذ يحظى باهتمامٍ بالغٍ لدى علماء المسلمين وذلك لأنّه المصدر الثاني من مصادر التشريع، فعلومه من أشرف العلوم، ومباحثه من أجلِّ المباحث.
ومن الْمُسَلَّمِ به عند أهل الإسلام أنَّ الرَّسول ﷺ أفصحُ العرب قاطبةً، وأنَّ حديثه الشريف لا يساميه أو يدانيه كلام أحدٍ من الفصحاء والبلغاء مهما بلغ من فصاحةٍ وبلاغةٍ، وصف الجاحظ فصاحته ﵊ فقال: «استعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السُّوقيّ، فلم ينطق إلَّا عن ميراثِ حكمةٍ، ولم يتكلَّم إلَّا بكلامٍ قد حُفَّ بالعصمة، وشُيِّدَ بالتأييد، ويُسِّرَ بالتَّوفيق» ووصف حديثه فقال: «هو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغَشَّاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلّة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته وقلة حاجة السامع إلى معاودته لم يسمع النّاس بكلام قط أعم نفعًا، ولا أقصد لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح معنى، ولا أبين فحوى من كلامه ﷺ كثيرًا» (^١).
ومع كل ذلك نرى إطلاق الغرابة على بعض ألفاظ الحديث النّبويّ
_________________
(١) البيان والتبيين ٢/ ١٧، ١٨.
[ ١ / ١٧ ]
الشّريف ونرى العلماء يؤلِّفون المؤلَّفات الضّخمة لشرح غريب الحديث، فما هو المقصود بالغريب الواقع منه؟ مع الجزم بأن حديث النّبي ﷺ في قمة فصاحة البشر، بل لا يبلغ مداها ولا يقرب منها عمالقة الفصحاء والبلغاء. يقول الإمام الخطَّابِيُّ ﵀: «الغريب من الكلام إنَّما هو الغامض البعيد من الفهم، كالغريب من الناس إنَّمَا هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل. ومنه قولك للرجل إذا نحّيته وأقصيته: اغْرُبْ عَنِّي أي: ابعد. ومن هذا قولهم: نوىً غَرِبَةٌ أي: بعيدة، وشَأْوٌ مُغَرِّبٌ، وعَنْقَاءُ مُغْرِبٌ أي: جائية من بعد. وكل هذا مأخوذ بعضه من بعض، وإنما يختلف في المصادر، فيقال: غَرَبَ الرَّجُل يَغْرُبُ غَرْبًا إذا تَنَحَّى وذهب، وغَرُبَ غُرْبَةً إذا انقطع عن أهله، وغَرُبَت الكلمة غَرَابةً وغَرَبَتِ الشمس غروبًا» (^١).
فنخلص من هذا الكلام كله إلى أنّ الغرابة هي البعد سواء كان بعدًا حسيًا كما في الغريب عن بلده، والشمس بعد غيابها، أو الرجل يتنحَّى ويذهب، أم بعدًا معنويًا كما في الكلام البعيد عن الفهم.