حينما طلب إلىّ متفضِّلا السيد/ مدير دار إحياء الكتب العربية، فى أواخر العام الماضى، أن أتولَّى تحقيق هذا الكتاب لم أكن درسته بعد أو أحطت به خبْرًا، فلما نظرت فيه ألفيتُنى إزاء مجدٍ لا ينبغى أن يضاع، أعنى هذا المَجْد الثَّقافى العربى، فإن كتابنا هذا لا يختلف اثنان بَعْدَ النظر فيه، أنَّه فذ في بابه، وأنه مفخرة من مفاخر التأليف العربى، ولا إخال لغةً في العالم ظفرت بمثل هذا الضرب من التأليف. ولقد أضفى ابن فارسٍ عليه من جمال العبارة وحسن الذوق، ورُوحِ الأديب، ما يبعد به عن جفوة المؤلفات اللغوية وعنف ممارستها. فأنت تستطيع أن تتخذ من هذا الكتاب متاعًا لك إذْ تَبْغِى المتاع، وسندًا حين تطلب التحقّق والوُثوق. والكتاب بعد كل أولئك، يضم في أعطافه وثناياه ما يَهَبُ القارئَ ملكة التفهّم لهذه اللغة الكريمة، والظهورِ على أسرارها.
وأذِن اللّه فشرعت في تحقيقه مستمدَّا العون منه، وجعلت من الكتب التى اعتمد عليها ابن فارس في صدر كتابه، ومن كتب أخرى يتطلبها التحقيق والضبط مرجعًا لى في تحرير هذا الكتاب.
وعنيت بضبط الكتاب معتمدا على نصوص اللغويين الثِّقات. وقد أضبط الكلمة الواحدة بضبطين أو ثلاثة حسب ما تنص المعاجمُ عليه. وعُنيت أيضا بنسبة الأشعار والأرجاز المهملة إلى قائليها، وبنصِّ الأشعار والأرجاز المنسوبة، إلى دواوينها المخطوطة والمطبوعة، مع التزام معارضة النصوص والنِّسَب بنظيراتها فى المجمل وجمهرة ابن دريد ولسان العرب وغيرها من الكتب.
[ المقدمة / ٤٥ ]
وأحيانًا يعوز النسخة بعض كلمات تتطلبها العبارات، فأزيدها من هذه المصادر مع التنبيه عليها، أو أتمها بدون تنبيه إلا بوضعها بين معكفى الزيادة إن لم أجد لها سندا إلا ضرورة الكلام.
وكنت ارتأيت أن ألتزم تفسير غوامض هذا الكتاب وتأويل شواهده ونصوصه، ولكنى وجدت أدب النشر يردُّنى عن ذلك، ولو قد فعلت لاستطال الكتاب واقتضى بعثه دهرًا طويلا، على ما يكون في ذلك من عنت وإرهاق.
لذلك اكتفيت بهذَا القدر الضئيل من التفسير الذي يتطلبه التحقيق.