ج: الحديثُ عن عمرَ -﵁-، عن النَّبيِّ -ﷺ- قال: «لَوْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» رواهُ الإمامُ أحمدُ، والتّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجه، وابنُ حِبَّانَ، والحاكم، وقال التِّرمذيُّ: «حسنٌ صحيحٌ»، حقيقةُ التَّوَكُّلِ هو صدقُ اعتمادِ القلبِ على اللهِ -﷿- في استجلابِ المصالحِ، ودفعِ المضارِّ من أمورِ الدُّنيا والآخرة. ومعنى الحديثِ: أنَّ النَّاسَ لو حقَّقوا التَّوكُّلَ على اللهِ بقلوبِهم واعتمدوا عليهِ اعتمادًا كُلِّيًّا في جلبِ ما ينفعُهُم، ودفعِ ما يضرُّهم، وأخذوا بالأسبابِ المفيدةِ لساقَ إليهم أرزاقَهُمْ مع أدنى سببٍ؛ كما يسوقُ إلى الطَّيرِ أرزاقَها بمجردِ الغدوِّ والرَّواح، وهو نوعٌ من الطَّلبِ، ولكنَّهُ سعيٌ يسيرٌ، وتحقيقُ التَّوكُّلِ لا يُنافي السَّعيَ في الأسبابِ التي قدَّرَ اللهُ -﷾- المقدَّراتِ بها، وجرتْ سنَنُهُ في خلقِهِ بذلك؛ فإنَّ اللهَ تعالى أمرَ بتعاطي الأسبابِ مع أمرِه
_________________
(١) «فتاوى اللجنة الدائمة» (١/ ٣٧٠).
[ ٢٧ ]
بالتَّوَكُّل، فالسَّعيُ في الأسبابِ بالجوارحِ طاعةٌ والتَّوكُّلُ بالقلبِ عليه إيمانٌ به، قالَ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فجعلَ التَّوكُّلَ مع التَّقوى التي هي القيامُ بالأسبابِ المأمورِ بها، والتَّوكُّلُ بدونِ القيامِ بالأسبابِ المأمورِ بها عجزٌ محضٌ، وإن كان مشوبًا بنوعٍ من التَّوكُّل، فلا ينبغي للعبدِ أن يجعل توكُّلَه عجزًا ولا عجزَه توكُّلا، بل يجعلُ توكُّلَه من جملةِ الأسبابِ التي لا يتمُّ المقصودُ إلا بها كلِّها (^١).