(الرسالة الثانية والعشرون)
قال جامع الرسائل
وله أيضًا –رحمه الله تعالى، وصب عليه من شآبيب٢ بره ووالى- رسالة إلى محمد بن علي آل موسى، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد؛ وقد ذكروا له ما وقع الناس فيه من مداهنة المشركين والإعراض عن دين المرسلين.
وقد تقدم نظير هذه الرسالة في المغني٣، ولكن لمسيس الحاجة والسبب الباعث ما اكتفى بما سبق ولا استغنى، بل نصح ووضح، وكشف قناع الإشكال، وما /أبقى/٤ /لمشتبه/٥ حجة ولا مقال، وكذلك بسبب ما حدث من تسهيل /أمر/٦ السفر إلى بلاد المشركين، وأن غاية ما يفعل مع المسافر، الهجر وترك السلام، من غير تعنيف ولا تخشين.
/والمشتبه/٧ يزعم أن الشيخ عبد الرحمن٨ أفتى بذلك إن صح الخبر. فإن ثبت فيحمل على قضية خاصة، يحصل بها المقصود والقصد، أو بما ستقف عليه من /المحمول/٩ التي لا يعرفها كل /مشتبه/١٠ جاهل، والوجوه /التي/١١ ذكرها
_________________
(١) ١ جاءت هذه الرسالة في المطبوع في ص١٧٥- ٢٧٨، وهي الرسالة رقم (٢٧) وجاءت في (ب) في ص٢٢٤-٢٢٧. ٢ الشآبيب: جمع شأبوب، وهو الدفعة من المطر وغيره، لسان العرب ١/٤٨٠، مادة (شأب) . ٣ تقدم في رسالة رقم (٣) ص٢٢٠، ورقم (٧) ص٢٥٨. ٤ في (أ): بقي. ٥كذا في المطبوع، وفي جميع النسخ: لمشبه. ٦ لا يوجد في (أ) فهو زائد في جميع النسخ. ٧ كذا في المطبوع، وفي جميع النسخ: والمشبه. ٨ عبد الرحمن بن حسن، والد المصنف. ٩ كذا في جميع النسخ، وفي (أ): المحال. ١٠ كذا في المطبوع، وفي جميع النسخ: مشبه. ١١ لا توجد في (أ) .
[ ١ / ٤٥٥ ]
الشيخ. فتأملها أيها المنصف، وتعقلها بشراشر١ قلبك، لعلك عن الشبهات٢ أن تعرف، وللحق الواضح والباطل الفاضح تفرق وتعرف. وهذا نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان المكرمين: محمد بن علي آل موسى، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد، سلمهم الله تعالى وتولاهم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل –وصلكم الله ما يرضيه. وسرنا سلامة من نحب ونشفق عليه. وما ذكرتم مما وقع فيه الناس من مداهنة المشركين، والإعراض عن دين المرسلين، فالأمر كما ذكرتم، أو فوق ما إليه أشرتم.
وقد سبق مني لكم جواب، وأخبرتكم أن هذا من أكبر الوسائل وأعظم الذرائع إلى ظهور الشرك، ونسيان التوحيد. وأن من أعظم ذلك وأفحشه ما يصدر من بعض من يظنه العامة من أهل اعلم، وحملة الدين، وما يصدر منهم من التشبيه، والعبارات التي لم يتصل سندها، ولم يعصم قائلها، وبهذا ونحوه اتسع الخرق.
وفي حديث ثوبان: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" ٣. وهو يتناول من له إمامة، ممن ينتسب إلى العلم والدين، وكذلك الأمراء.
_________________
(١) ١ الشراشر: النفس والمحبة جميعًا. يقال: ألقى عليه شرارة أي أحبه حتى استهلك في حبه. لسان العرب ٤/٤٠٢، مادة (شرر) . ٢ في (د): عن المشبه والشبهات. ٣ هذا جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود في سننه ٤/٤٥٠- ٤٥١، الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها. والترمذي في سننه ٤/٤٣٧، الفتن، باب ما جاء في الأئمة المضلين. والإمام أحمد في مسنده ٦/٤٤١. والدارمي في سننه ٢/٤٠١، الرقاق، باب في الأئمة المضلين.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وأبيات عبد الله بن المبارك١ معلومة لديكم في هذين الصنفين، أعني قوله:
وهل أفسد الدين إلا الملو ك وأحبار سوء ورهبانها٢
وفي مثل هؤلاء قال قتادة: فوالله ما آسي عليهم، ولكن آسي على من هلكوا.
أو كما نقلتم عن بعضهم، أنه زعم أن الشيخ الوالد –قدس الله روحه ونور ضريحه أفتى فيمن يسافر إلى بلاد المشركين، بأن غاية ما يفعل معه، هو الهجر وترك السلام بلا تعنيف ولا ضرب. وهذه غلطة من ناقلها، لم يفهم مراد الشيخ إن صح نقله، ولم /يدر/٣ مايراد بها. وهذا النقل يطالب بصحته أولًا، فإن ثبت بنقل عدل ضابط، فيحمل على قضية خاصة، يحصل بها المقصود بمجرد الهجر، وهي فيمن ليس له ولاية، ولا سلطان له على الأمراء والنواب، ويترتب على تعزيزه الهجر مفسدة الافتيات على ولي الأمر والنواب، ونحو هذه المحامل.
ويتعين هذا إن صحت، لأن هذا /ذنب/٤ قد تقرر أنه من الكبائر المتوعد صاحبها بالوعيد الشديد، بنص القرآن وإجماع أهل العلم، إلا لمن أظهر دينه، وهو العارف به، القادر على الاستدلال عليه، وعلى إظهاره، فإنه مستثنى من العموم. وأما غيره، فالآية تتناوله بنصها، لأن الإقامة تصدق على القليل والكثير. فالكبائر التي ليس فيها حد، يرجع فيه إلأى ما تقتضيه المصلحة، من التعزير كالهجر والضرب، وقد يقع التعزير
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته في ص٣٠١. ٢ الأبيات لعبد الله بن المبارك. وأولها: رأيت الذنوب تميت القلو ب وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلو ب وخير لنفسك عصيانها وهل أفسد الدين إلا الملو ك وأحبار سوء ورهبانها انظر ديوان عبد الله بن المبارك ص٦٦. ٣ في (د): يدري. ٤ في (ج) و(د): لذنب.
[ ١ / ٤٥٧ ]
بالقتل، كما في حديث شارب الخمر، ( فإن شربها في الرابعة فاقتلوه) ١.
وقد أفتى شيخ الإسلام بقتل من شرب الخمر في نهار رمضان٢، /إذا/٣ لم يندفع شره إلا بذلك٤. وأفتى بحل دم من جمز٥ إلى بلاد التتار، وكثر سوادهم، وأخذ ماله٦. وكل هذا من التعازير التي يرجع فيها إلى ما يحصل به درء المفسدة، وحصول المصلحة، وأفتى في التعزير في أخذ المال إذا كان فيه مصلحة٧.
وقد عرفتم أن أكبر المصالح، منع هذا الضرب بأي طريق، وأنه لا يستقيم حال وإسلام لمن ينتسب إلى الإسلام، مع المخالطة والمقارفة الشركية، لوجوه، (منها): عدم معرفة أصول الدين وأحكام الله في هذا ونحوه. (ومنها): العجز عن إظهاره لو عرفوه (ومنها): أن العدو محارب، قد سار إلى بلاد المسلمين، واستولى على بعضها، فليس حكمه كحكم غيره، بل هذا، جهاده يجب على كل أحد فيض عين، لا فرض كفاية، كما هو منصوص عليه٨. (ومنها) أن تلك البلاد ملئت بالمشبهين والصادين عن سبيل الله ممن ينتسب إلى العلم، ويسمون أهل التوحيد الغلاة، كما سماهم إخوانهم خوارج.
والهجرة لها /مقصودان/٩: الفرار من الفتنة وخوف المفسدة الشركية. والثاني: مجتهدة أعداء الله، والتحيز إلى أهل الإسلام.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه، وكلام العلماء عليه ص٢٤٢. ٢ لم أجد قوله بقتله مقيدًا بالشراب في نهار رمضان، بل فيمن لم ينته عن شربه، للمفسدة. مجموع الفتاوى ٢٨/١٠٩، ٣٤٧. ٣ في (د): إذ. ٤ مجموع الفتاوى ٢٨/ ١٠٨- ١٠٩. ٥ تقدم بيان معناه في ص ٢٣٣. ٦ المرجع السابق ٢٨/ ٥٣٠. وقد تقدم كلامه هذا في ص ٢٤١. ٧ المرج السابق ٢٨/ ١١٠، ١١٣. ٨ وسيأتي ذكر الشيخ لذلك في ص ٧٩١. ٩ في المطبوع: مقصود أن.
[ ١ / ٤٥٨ ]
وقد كانت شرطًا في أول الإسلام مع ضعف المسلمين، وخوف المشركين، وشدة بأسهم، وكثرة الأسباب الداعية إلى الفتنة، والسر فيها لا يهدر ولا يطرح في كل مقام، لا سيما والمقارف لهذا الفعل /وغيره/١ من الأفعال الموجبة للردة كثير جدًا.
فالنجا النجا٢ والوحى الوحى٣ قبل أن يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا٤، ولعل الله أن يمن بخط مبسوط يأتيكم بعد هذا، فيه التعريج على كل شيء من نصوص أهل العلم، وبيان كذب هذا المفتري على الشيخ. وأهل المذهب لا يختلفون في أن حكم الإقامة، يمنع منه من عجز عن إظهار دينه.
/و/٥ في الحديث: "ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه، إلا أعطوا الجدل"٦، [ومنعوا العمل] ٧
_________________
(١) ١ ساقط في (د) . ٢ النجا: مقصور من "النجاء" وهو السرعة في السير. يقال: نجا نجاءً، وينجو في السرعة نجاءً، وهو ناج، أي سريع. وقالوا: "النجاء النجاء، والنجا النجا" فمدوا وقصروا ومنه قول الشاعر: إذا أخذت النهب فالنجا النجا لسان العرب ١٥/٣٠٥- ٣٠٦ مادة (نجا) . ٣ في جميع النسخ: الوحا الوحا، بالألف الممدودة، وهو خطأ إملائي ما لم يثبت معه همزة يقال: "الوحى الوحى، والوحاء الوحاء" بالقصر والمد. ومعناه: العجلة والإسراع. لسان العرب ١٥/٣٨١- ٣٨٢ مادة (وحى) . ٤ هذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] . ٥ ساقط في (أ) . ٦ سنن الترمذي ٥/٣٥٣، التفسير، من سورة الزخرف، قال الترمذي: (حديث حسن صحيح) . سنن ابن ماجة ١/١١، المقدمة، باب اجتناب البدع. مسند الإمام أحمد ٥/٢٥٢، ٢٥٦. المستدرك للحاكم ٢/٤٤٨- ٤٤٩، وقال: (حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. ٧ هذا اللفظ بين المقوفتين أدخله المؤلف في الحديث، ولم أجده فيما اطلعت عليه.
[ ١ / ٤٥٩ ]
وما وقع فيه الناس، وابتلي به أكثر من ثلب١ بعض مشايخكم، فقد علمتم ما يؤثر عن السلف، أن علامة أهل البدع، الوقوع في أهل الأثر؛ وهؤلاء إذا قيل لهم هاتوا، حققوا، واكتبوا لنا ما تنقمون، وقروا الحجة بما تدعون، أحجموا عند ذلك، وعجزوا عم مقاومة الخصوم، ومتى يدرك الظالع٢ شأو٣ الضليع٤ شعر:
أماني تلقاها لكل متبر حقيقتها نبذ الهدى والشعائر
وحسابنا وحسابهم على الله، الذي تنكشف عنده السرائر، وتظهر مخبئات الصدور والضمائر.
/وبلغوا سلامنا إخوانكم/٥ الذين جردوا متابعة الرسول، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ ٦، ولم ينتسبوا إلى قيس ويمن، كما وقع عندكم فيمن فرقوا دينهم وكانوا شيعًا. حمانا الله وإياكم، وثبتنا على دينه. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا /كثيرًا/٧.
_________________
(١) ١ الثلب: شدة اللوم والأخذ باللسان. يقال: ثلبه يثلبه ثلبًا، لامه وعابه وصرح بالعيب. لسان العرب ١٨/٢٤١، مادة (ثلب) . ٢ في (ب) و(ج) و(د): (الضالع) بالضاد. وهو خطأ. إذ هو بمعنى الجائر. و(الظالع) بالظاء، هو العرجاء، يقال: ظلع الرجل والدابة في مشيه، يظلع ظلعًا، أي عرج وغمز في مشيه. لسان العرب ٨/٢٤٣- ٢٤٤ مادة (ظلع) . ٣ تقدم ذكر معناه في ص١٥٦. ٤ في (أ): (الظليع) بالظاء والصواب: (الضليع) بالضاد، وهو الطويل الأضلاع، الواسع الجنبين، العظيم الصدر. لسان العرب ٨/٢٢٦، مادة (ضلع) . ٥ في المطبوع: (جعلنا الله وإياكم من ) ٦ سورة التوبة الآية (١٦) . وأول الآية: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ الآية. ٧ زيادة في (ب) و(د) والمطبوع.
[ ١ / ٤٦٠ ]