(الرسالة الثالثة عشرة)
قال جامع الرسائل
وله أيضًا -رحمه الله تعالى- رسالة إلى زيد بن محمد ٢ وهذا نصها.
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم زيد بن محمد -زاده الله علمًا، ووهب لنا وله حكمًا٣- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالخط الذي فيه المسائل وصل، وحصل من الاشتغال والموانع، ما اقتضى تأخر الجواب، ونسأل الله لنا الإعانة على ما يقرب إليه من العلم والعمل.
فأما المسألة الأولى٤: عن قول الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٥.
وقول السائل: إن الرب ﵎ لا يخفى عليه شيء وقد قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٦
_________________
(١) ١ في (ب) جاءت هذه الرسالة في ص ١٦٧- ١٧٩. ٢ تقدمت ترجمته ص ٩٣. ٣ يريد بالحكم هنا: العلم والفهم، وذلك كما في قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵇ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ [الشعراء:٨٣] . قال الشوكاني: (المراد بالحكم: العلم والفهم) . فتح القدير للشوكاني ٣/١٠٥. ٤ وردت المسألة في الدرر السنية ١٠/٩٣- ٩٥. ٥ سورة يونس: الآية (١٨) . ٦ سورة العنكبوت: الآية (٤٢) .
[ ١ / ٣٢٦ ]
فالجواب وبالله التوفيق:
إن كلا الآيتين الكريمتين على عمومهما وإطلاقها، يصدق بعضها بعضًا.
فأما آية يونس، ففيها الإخبار بنفي ما ادعاه المشركون، وزعموه من وجود شفيع، يشفع وينفع بدون إذنه تبارك وتعالى١؛ وأن هذا لا يعلم الله وجوده، لا في السموات ولا في الأرض، بل هو مجرد زعم وافتراء٢، وما لا يعلم وجوده، مستحيل الوجود، منفي غاية النفي.
فالآية رد على المشركين الذين تعلقوا على الشركاء والأنداد، بقصد الشفاعة عند الله والتقرب إليه.
وأما آية العنكبوت، ففيها إثبات علمه ﷾ بكل مدعو أو معبود من أي شيء كان، لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة٣. ففي الآية الأولى نفي العلم بوجود ما لا وجود له بحال؛ والآية الثانية فيها إثبات العلم بوجود ما عبدوه
_________________
(١) ١ ومعلوم أن مثل تلك الشفاعة، غير مقبولة عند الله، إذ أن للشفاعة التامة المقبولة شروطًا وضعها الشارع الحكيم وهي: إذنه ﷾ للشافع بالشفاعة له: قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [لنجم:٢٦] . وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . (ب) إذنه تعالى للمشفوع له بأن يشفع له: قال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩] . (جـ) رضاؤه تعالى للمشفوع له: قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . فهذه الآيات تبين أن الشفاعة لن تكن إلا من شافع مأذون له بها، ولن تنفع إلا المشفوع المأذون له، والمرضي عنه، كما تبطل جميع ما يزعمه المشركون، من وجود شفيع يشفع بدون إذنه ﵎. ٢ وقد فسر الآية بهذا المعنى، من المفسرين، كل من: الطبري في جامع البيان ١١/ ٩٨، والقرطبي ٨/ ٢٠٥. ٣ انظر جامع البيان للطبري ٢٠/ ١٥٣.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ودعوه مع الله، من الآلهة التي لا تضر ولا تنفع.
قال ابن جرير-رحمه الله تعالى- في الكلام على آية يونس: يقول تعالى [ذكره] ١: ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك صفتهم، الذين لا يضرهم شيء ولا ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها، رجاء/شفاعتها/٢عند الله. قال تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَه وتعالى عما يشركون﴾ ٣. يقول: (أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض، وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه ﷺ، وذلك باطل لا يعلم حقيقته وصحته، بل يعلم أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد ولا تضر ولا تنفع) انتهى٤.
وحاصلة أن النفي واقع على ما اعتقدوه وظنوه من وجود شفيع يشفع وينفع ويقرب إلى الله، وذلك الظن والاعتقاد وهم وخيال باطل لا وجود له. وبنحو ذلك قال ابن كثير٥، حيث يقول: (ينكر تعالى على المشركون الذين عبدوا مع الله غيره، ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله، وأخبر أنها لا تنفع ولا تضرو لا تملك شيئًا ولا يقع شيء ٦ مما يزعمون فيها، ولا يكون هذا أبدًا، ولهذا
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين، زائد في جميع النسخ والمطبوع. لم يرد في (أ) . ٢ في جميع النسخ: (شفاعتهم) . وفي تفسير الطبري ما أثبتناه. ٣ سورة يونس الآية (١٨) . ٤ جامع البيان للطبري ١١/٩٨. نقله المصنف بتصرف يسير. ٥ هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير البصري ثم الدمشقي الشافعي، عماد الدين أبو الفداء. محدث مفسر فقيه، له مصنفات منها: تفسير القرآن العظيم، البداية والنهاية، جامع المسانيد، وغيرها (ت ٥٧٧٤) . الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لأحمد بن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ)، تحقيق محمد سيد جاد الحق، دار الكتب الحديثة، القاهر ١/ ٣٩٩؛ معجم المؤلفين ٢/ ٢٨٣. ٦ في (ج) و(د): شيئًا.
[ ١ / ٣٢٨ ]
قال تعالى: ﴿قلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ١انتهى٢.
وقال /أبو السعود/٣ الرومي في قوله /تعالى/ ٤: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٥ أي وتخبرونه بما لا وجود له أصلًا، وهو كون الأصنام شفعاءهم عند الله، إذ لو كان ذلك لعلمه علام الغيوب. وفيه تقريع لهم وتهكم بهم وبما يدعون من المحال، الذي لا يكاد يدخل تحت الصحة والإمكان، وقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ حال من العائد٦ المحذوف في "يعلم" مؤكدة للنفي، لأن ما لا يوجد فيها فهو منتف عادة) ٧ انتهى.
وقال العلامة ابن القيم٨ في الكلام على هذه الآية: هذا نفي لما ادعاه المشركون من
_________________
(١) ١ سورة يونس الآية (١٨) . ٢ تفسير ابن كثير ٢/ ٤٢٦، بتصرف يسير. ٣ في جميع النسخ: ابن مسعود، وهو خطأ. والصواب ما أثبته كما في المطبوع. وأبو السعود هو: محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي أبو السعود، فقيه أصولي مفسر، من موالي الروم، له تصانيف منها: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم "في التفسير"، وتهافت الأمجاد "في فروع الفقه الحنفي" وغيرهما. (ت ٩٨٢هـ) وقيل (٩٥١) . البدر الطالع ١/ ٢٦١، معجم المؤلفين ١١/ ٣٠١- ٣٠٢. ٤ ساقط في (ب) و(ج) و(د) والمطبوع. ٥ سورة يونس الآية (١٨) . ٦ وذلك أن الموصول في قوله (بما لا يعلم) بحاجة إلى صلة، ولا بد في الصلة من عائد، وهو هنا محذوف في يعلم، ويقدر ب (يعلمه) . ٧ تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، للإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي (ت ٩٥١هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت ٤/ ١٣٢، بتصرف. *وروي عن الضحاك في تفسيره لهذه الآية قال: (أتخبرون الله أن له شريكًا، ولا يعلم لنفسه شريكًا في السموات ولا في الأرض. انظر: زاد الميسر في علم التفسير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، الجوزي القرشي البغدادي (ت ٥٩٧هـ)، المكتب الإسلامي بيروت، ط/ ١، ١٣٨٥هـ- ١٩٦٥م ٤/ ١٦ ٨ هو محمد بن أبي بكر بن أيوب، أبو عبد الله ابن قيم الجوزية، تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، وسجن معه في قلعة دمشق. يأأبي له تصانيف عدة منها: روضة المحبين، زاد المعاد، إعلام الموقعين، اجتماع الجيوش الإسلامية وغيرها. (ت ٧٥١هـ) . الدرر الكامنة ٤/٢١، معجم المؤلفين ٩/١٠٦.
[ ١ / ٣٢٩ ]
الشفعاء، كنفي علم الرب تعالى بهم، المستلزم لنفي المعلوم، ولا يمكن أعداء الله المكابرة، وأن يقولوا قد علم الله جود ذلك، لأنه تعالى، إنما يعلم وجود ما أوجده وكونه، ويعلم أنه سيوجد ما يريد إيجاده، فهو يعلم نفسه وصفاته ومخلوقاته التي لم توجد بعد.
وأما وجود شيء آخر غير /مخلوق/١ له ولا مربوب، فالرب تعالى لا يعلمه، لأنه يستحيل٢ في نفسه، فهو سبحانه يعلمه مستحيلًا، /فكذلك/٣ حجج الرب ﵎، على بطلان ما نسبه إليه أعداؤه المفترون٤ التي هي كالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من رجوع. فإذا وازنت بينهما ظهرت لك المفاضلة، إن كنت بصيرًا. ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٥، انتهى٦.
_________________
(١) ١ساقط في (ج) و(د) . ٢ في أصل النص عند ابن القيم في بدائع الفوائد: مستحيل. ٣ في الأصل (بدائع الفوائد): فهذه. ٤ هنا أسقط المصنف عبارة:. (عليه، فوازن بينهما وبين حجج المتكلمين الطويلة العريضة) التي وهي عبارة ينبني عليها قوله بعدها: فإذا وازنت بينهما . ٥ سورة الإسراء الآية (٧٢) . ٦ بدائع الفوائد، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)، تقريظ وتقديم د. وهبة الزحيلي تحقيق وتعليق: معروف محمد هبي سليمان، وعلي عبد الحميد بلطه جي، توزيع دار الخاني، الرياض، دار الخير بيروت، ط/١، ١٤١٤هـ ١٩٩٤م ٤/١٣٠- ١٣١.
[ ١ / ٣٣٠ ]