[بعض رسائل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن]
مقدمة
رسالة في الكلام على أما بالتخفيف، وإعراب"عدد خلقه"إلخ
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم عبد العزيز بن حسن -سلك الله بنا وبه أهدى السنن-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على سوابغ نعمائه، وجزيل فضله
[ ٤٣١ ]
وعطائه، جعلنا الله وإياك ممن عرف نعمة الله عليه فاستعان بها على ما يقربه إليه، والخط وصل -وصلك الله بالرضى-، وما أشرت إليه صار لدينا معلوما.
[الكلام على"أما"بالتخفيف]
أما الخطوط التي تذكر أنك أرسلتها إلينا قبل هذا الخط الأخير فلم تصل، ولم يصل منك في هذا العام قبل هذا خط. وأما الجواب عن المسألتين فلا يخفى أن"أما"بالتخفيف تأتي على وجهين:
أحدهما: أن تكون حرف استفتاح كما في قوله:"أما إني لم أكن في صلاة"ويكثر ذلك قبل القسم كما في قوله:
أما والذي أبكي وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش إن أرى أليفين منها لا يروعهما الذعر
وقول الآخر:
أما والذي حجت له العيس وارتمى لمرضاته شعث طويل ذميلها
لئن نائبات الدهر يوما أدان لي على أم عمرو دولة لا أقيلها
وقال الآخر:
أما يستفيق القلب أنى بدا له توهم صيف من سعاد ومربع
أخادع عن إطلالها العين إنه متى تعرف الأطلال عيني تدمع
عهدت بها وحشا عليها براقع وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
وهذا إذا قصد به تنبيه المخاطب لما بعدها، والإشارة إلى أن ما بعدها مما يهتم به ويلتفت إليه، كما في قوله ﷺ:"ألا لعنة الله على اليهود والنصارى" ١،"ألا هل بلغت"،"ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" ٢ وكقول الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا
وكما في قوله:
ألا ليت حظي من عطاياك أنني علمت وراء الرمل ما أنت صانع
_________________
(١) ١ البخاري: الصلاة ٤٣٦، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة ٥٣١، والنسائي: المساجد ٧٠٣، وأحمد ١/٢١٨،٦/٣٤،٦/٨٠،٦/١٢١،٦/١٤٦،٦/٢٥٥، والدارمي: الصلاة ١٤٠٣. ٢ البخاري: العلم ١٠٥، ومسلم: القسامة والمحاربين والقصاص والديات ١٦٧٩، وابن ماجه: المقدمة ٢٣٣، وأحمد ٥/٣٧،٥/٣٩،٥/٤٩، والدارمي: المناسك ١٩١٦.
[ ٤٣٢ ]
والثاني: بمعنى حقا أو أحقا، وزعم بعض الناس أنها تكون حرف عرض بمعنى لولا، فتختص بالفعل، كما في قولك: أما يقول، أما يقعد، ونحوه.
وأما نحو: أما كان فيهم من يفهم؟ فالهمزة للاستفهام، وما حرف نفي وليست مما نحن فيه. فتنبه.
[في إعراب: عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه]
وأما المسألة الثانية وهي: قولك: ما وجه نصب"عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته"؟ فاعلم أن نصب هذه المصادر على أنه نعت لسبحان، لأنه اسم محذوف العامل وجوبا لكونه بدلا من اللفظ بفعل مهمل، كقول الشاعر:
ثم قالوا تحبها؟ قلت بهرا عدد الرمل والحصى والتراب
فبهرا اسم منصوب على المفعولية المطلقة لكونها هنا بمعنى عجبا، لكن فعله مهمل غير مستعمل، فلذلك حذف وجوبا، وعدد الرمل في البيت نعت له، ويحتمل أن"عدد"وما عطف عليه، نصب على المفعولية المطلقة، والعامل يقدر: سبحته أو نزهته، فهو كقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١ لأن سبحان علم على معنى التنْزيه والبراءة أو على لفظه، فلا يعمل في المفعول.
ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى هذا التقدير؛ لأن الاسم قد يعمل لما فيه من رائحة الفعل، ويكون النصب بسبحان، ويقويه قول ابن مالك:
بمثله أو فعل أو وصف نصب وكونه أصلا لهذين انتخب
وأما"زنة"فمعناها الموازنة والثقل، بخلاف ما إذا كان من بعده الفعل مستعمل كقوله:
أذلا إذا شب العدى نار حربهم وزهوا إذا ما يجنحون إلى السلم
وقول الآخر:
خمولا وإهمالا وغيرك مولع بتثبيت أسباب السيادة والمجد
تمت، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
_________________
(١) ١ سورة النور آية: ٤.
[ ٤٣٣ ]