اعتنت الشريعة أيضًا بجانب الطبِّ والتداوي؛ لما يمثِّلُه من أهمِّيَّةٍ في المحافظة على النفس البشريَّة التي هي إحدى الكلِّيَّات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها، وحتَّى يَقْوَى الإنسانُ على القيام بواجبه في أداء العبوديَّة لله تعالى، وعمارة الأرض؛ فشرعت التطبُّب والتداوي من الأمراض، وحثَّت عليه؛ فعن أُسامة بن شُرَيْك العامري ﵁ أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: (تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ فَإِنَّ اللهَ ﷿
_________________
(١) رواه البخاري (ح ٥٤٢٦)، ومسلم (ح ٢٠٦٧).
(٢) رواه البخاري (ح ٥٨٨٥).
(٣) رواه ابن ماجه (ح ٦٩٥٣).
(٤) رواه مسلم (ح ٢٠٩٠).
(٥) رواه البخاري (ح ٥٩٣٣).
[ ١ / ٢٩ ]
لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً، إِلَّا المَوْتَ وَالهَرَمَ) (^١). ولكنَّها في الوقت نفسه نَهَت عن التداوي بالمُحرَّم أو الخبيث؛ لأنَّه داءٌ وليس بدواءٍ؛ فعن طارق بن سُوَيْدٍ الجُعْفِي (سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنِ الخَمْرِ، فَنَهَاهُ -أَوْ كَرِهَ- أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ) (^٢). وعن أمِّ سَلَمَة -﵀- قالت: (نَبَذْتُ نَبِيذًا فِي كُوزٍ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَهُوَ يَغْلِي، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قُلْتُ: اشْتَكَتْ ابْنَةٌ لِي فَنُعِتَ لِي هَذَا. فَقَال رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيْمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) (^٣).
ولقد أحسنت الشريعة غاية الإحسان حينما عمدت إلى بيان وتفصيل ما يتعلَّق بهذه الأمور من الأحكام، ووضعت القواعد والضوابط والكلِّيَّات العامَّة التي يمكن من خلالها الوصول إلى حُكْمِ الله فيها، وما يستجدُّ منها، وذلك بعد بيانها: أنَّ الأصلَ في كُلِّ ما خَلَقَهُ اللهُ ﷿ على هذه الأرض هو الطَّهارة والحِلُّ، وعكسُه لا يثبتُ إلَّا بدليلٍ؛ قال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقال أيضًا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، يقول ابن تيمية ﵀: «فاعْلَمْ أنَّ الأصْلَ في جميع الأعْيان الموجودة على اختلاف أصنافها وتَبايُن أوصافِها أن تكون حَلالًا مُطْلَقًا للآدَمِيِّين، وأن تكون طاهِرَةً لا يَحْرُمُ عليهم مُلابَسَتُها ومُباشَرَتُها ومُماسَّتُها وهذه كلمةٌ جامِعَةٌ ومَقالَةٌ عامَّةٌ وقَضِيَّةٌ فاضِلَةٌ عظيمةُ المَنْفَعَة واسِعةُ البَرَكَة يَفْزَعُ إليها حَمَلَةُ الشَّريعَة فيما لا يُحْصَى من الأعمال وحوادث النَّاس» (^٤).
_________________
(١) رواه أحمد (ح ١٨٤٥٥)، وابن ماجه (ح ٣٤٣٦).
(٢) رواه مسلم (ح ١٩٨٤).
(٣) رواه البيهقي (ح ١٩٧٦٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٣٥).
[ ١ / ٣٠ ]
ومن الضَّوابط التي أَرْشَدَت إليها الشَّريعة للحُكْم بالحُرْمَة فيما يتعلَّق بهذه الأمور ما يلي:
١ - أن يُنَصَّ على التَّحريم نصًّا، بأيِّ صِيغةٍ من الصِّيَغ الدَّالة على التَّحريم؛ كقول الله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله جَلَّ وعَلَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقوله -ﷺ-: (إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ) (^١). وعن عليِّ بن أبي طالبٍ -﵁- قال: (أَخَذَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: ذَهَبًا بِيَمِينِهِ، وَأَخَذَ حَرِيرًا بِشِمَالِهِ، ثُمَّ رَفَع بِهِمَا يَدِيْهِ فَقَالَ: هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي) (^٢)، وغير ذلك من النصوص.
٢ - أن يقوم به وَصْفٌ اعْتبرَهُ الشَّرْع مانِعًا من الحِلِّ؛ كما في حديث ابن عبَّاس -﵄-: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ) (^٣)، وكما في حديث ابن عُمَر -﵄- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) (^٤)، ومن ذلك حديث جابِرٍ -﵁- أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) (^٥). ومنه ما جاء في حديث أبي هريرة -﵁- قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنِ الدَّوَاءِ الخَبِيثِ) (^٦). ومنه حديث عبد الله بن عمر -﵄-
_________________
(١) رواه البخاري (ح ٤١٩٩).
(٢) رواه أحمد (ح ٧٥٠)، وأبو داود (ح ٤٠٥٧).
(٣) رواه مسلم (ح ١٩٣٤).
(٤) رواه مسلم (ح ٢٠٠٣).
(٥) رواه أبو داود (ح ٣٦٨١)، والترمذي (ح ١٨٦٥)، والنسائي (ح ٥٦٠٧)، وابن ماجه (ح ٣٣٩٣).
(٦) رواه أحمد (ح ٨٠٤٨)، وأبو داود (ح ٤٧٨٠).
[ ١ / ٣١ ]
قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنِ المِيثَرَةِ، وَالقَسِّيَّةِ، وَحَلْقَةِ الذَّهَبِ وَالمُفَدَّمِ) (^١)؛ والمِيثَرَة: جُلود السِّبَاع، والقَسِّيَّة: ثيابٌ مُضَلَّعَةٌ من إِبْرَيْسَمٍ، والمُفَدَّم: المُشَبَّع بالعُصْفُر.
٣ - أن يكون خَبيثًا مُسْتَقْذَرًا غير مقبولٍ لدى أصحاب الطَّبائِع السَّليمة؛ كالحَشَرات والهَوامِّ ونحو ذلك؛ قال الله ﷿: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، والمُعتَبَر في ذلك ما اسْتَخْبَثَتْهُ العَرَبُ في أحوالهم العاديَّة من غير ضرورة؛ كما هو رأي جمهور الفقهاء (^٢)؛ إذِ العَرَبُ هم المخاطبون ابتداءً بالقُرآن والسُّنَّة، والقُرآن نزل بِلِسانِهِم ولُغَتِهم، كما أنَّهم جِيلٌ مُعتدلٌ لا يغلب فيهم الانهماك على المُسْتَقْذَراتِ، ولا العَفافَةُ المتولِّدَةُ من التَّنعُّم، فيضيِّقوا المَطاعِمَ على الناس (^٣).
٤ - أن يكون نَجِسًا؛ فكُلُّ نَجِسٍ يَحْرُمُ تناولُه إجماعًا؛ سواء كان نَجِسًا لذاتِه أو لغِيرِه؛ يقول ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: «لأنَّ المسلمين لا يختلفون في أنَّ النَّجاسات مُحرَّمات العَيْن أشدَّ التَّحريم، لا يَحِلُّ استباحةُ أَكْلِ شيءٍ منها» (^٤). ويقول الفَخْرُ الرَّازي ﵀: «إنَّ الأُمَّة مُجْمِعَةٌ على حُرْمَةِ تناول النَّجاسات» (^٥).
٥ - أن يَترتَّب على تناوله ضَررٌ مُحَقَّقٌ؛ وذلك كالأشياء السَّامَّة من حيوانٍ أو نباتٍ أو غير ذلك؛ كالعَقارب، والوَزَغ، والسَّمَك السَّام، والمُخَدِّرات، والفَحْم، والطِّين، ونحو ذلك ممَّا يترتَّب على تناوله ضَررٌ مُحقَّقٌ. ولا شكَّ أنَّ المُعَوَّل عليه في معرفة الضَّرر وثُبوتِه هم المُخْتصُّون من الأطبَّاء الحاذِقين وأهل الخِبْرَة (^٦).
_________________
(١) رواه أحمد (ح ٥٧٥١).
(٢) انظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٠٥)، المجموع للنووي (٩/ ٢٦)، المغني لابن قدامة (١١/ ٦٥)، الأطعمة والصيد والذبائح للفوزان (ص ٥٢ - ٥٣).
(٣) انظر: المجموع (٩/ ٢٦).
(٤) التمهيد (١/ ١٤٢).
(٥) تفسير الرازي (بتصرف يسير) (١٣/ ١٧٢).
(٦) انظر: أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد الله بن محمد الطريقي (ص ١١٣ - ١١٤).
[ ١ / ٣٢ ]
وذلك لأنَّ الشريعة قَصَدَتْ -من جملة ما قَصَدَتْ إليه- حفظَ النَّفْس والعِنايةَ بها، ومِنْ ثَمَّ حَرَّمت كُلَّ ما يُؤدِّي إلى وقوع الضَّرر ولُحُوق الأذى بها؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وقال أيضًا: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال -ﷺ-: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) (^١)، يقول الإمام النَّوَويُّ ﵀: «كلُّ ما ضَرَّ-أي أَكْلُه- كالزُّجَاج والحَجَر والسُّمِّ يَحْرُمُ» (^٢).
ولقد فَطَنَ فقهاؤنا -﵏- لمدى عناية الشَّريعة واهتمامِها البالِغ بهذه الجوانِب، فضَمَّنوها كُتُبَهُم الفِقهيَّة، وعَقَدوا بابًا للأَطْعِمَة، وآخرَ للأَشْرِبة، وثالثًا للصَّيْد والذَّبائِح، ورابعًا للِّباس والزينة، كما أفردوا في بعض المصنَّفات بابًا للطبِّ والتداوي؛ تناولوا فيها -بيانًا وتفصيلًا- ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ من هذه الأمور، وشروط حِلِّها، بالإضافة إلى بيان سُننها وآدابها.
وفي عَصْرِنا الحاضِر أُفْرِدَتْ فيها المُؤلَّفاتُ والرَّسائلُ العِلْميَّةُ؛ وتناولَتْهَا بالبحث والدِّراسَة والمناقَشَة، مع بيان ما استُجِدَّ منها.
هذا كلُّه يُبَيِّنُ لنا إلى أيِّ مَدًى اهتمَّت شريعةُ الإسلام بهذه الجوانب المهمِّة من حياة النَّاس، ولا عَجَبَ في ذلك؛ إذْ بها تحقيق عبوديَّتهم لربِّهم، وتحصيل مرضاته، كما أنَّ بها قَوامَ حياتِهِم وصِحَّةَ أجسادِهم؛ فتَقْوَى على أداء المَهامِّ المُناطَةِ بهم.
وصَلَّى اللهُ وسَلَّم وبارَكَ عَلَى نَبيِّنا مُحمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِه أَجْمعين.
* * *
_________________
(١) رواه ابن ماجه (ح ٢٣٤١).
(٢) روضة الطالبين (٣/ ٢٨١).
[ ١ / ٣٣ ]