يقول السائل: ما المقصود بالصدقة الجارية؟ وهل القيام بأعمال التشطيبات في مسجد يُعد من الصدقة الجارية؟ حيث إنه يوجد في منطقتنا مسجد - بناء عظم - ويحتاج إلى تكملة ولديَّ النيةُ لإكماله فهل يدخل ذلك في الصدقة الجارية؟
الجواب: ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.
قال الإمام النووي: [قال العلماء معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها فإن الولد من كسبه وكذلك العلم الذي خلَّفه من تعليم أو تصنيف وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٢٥٣.
وقال الإمام البغوي: [هذا الحديث يدل على جواز الوقف على وجوه الخير واستحبابه وهو المراد من الصدقة الجارية] شرح السنة ١/ ٣٠٠.
فالصدقة الجارية هي التي يستمر نفعها للناس فترة من الزمان ويكون أجرها المتجدد لصاحبها الذي جعلها.
[ ١٩٣ ]
وجاء في الحديث عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول ﷺ: (أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: من مات مرابطًا في سبيل الله، ومن علَّم علمًا أجري له عمله ما عمل به، ومن تصدق بصدقة فأجرها يجري له ما وجدت، ورجل ترك ولدًا صالحًا فهو يدعو له) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار وفيه راوٍ ضعيف كما قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٦٧.
وورد في الحديث عن سلمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أربع من عمل الأحياء تجري للأموات: رجل ترك عقبًا صالحًا ينفعه دعاؤهم ورجل تصدق بصدقة جارية من بعده له أجرها ما جرت بعده ورجل علَّم علمًا فعمل به من بعده له مثل أجر من عمل به من غير أن ينقص من أجر من يعمل به شيء) رواه الطبراني وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم ٨٨٨.
ويدخل في الصدقة الجارية أعمال البر وهي كثيرة جدًا ومنها بناء المساجد فقد ثبت في الحديث عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتًا في الجنة) رواه البخاري ومسلم.
ويدخل في الصدقة الجارية أيضًا المشاركة في بناء المسجد وتعميره ولو كانت المشاركة بمبلغ قليل ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه
[ ١٩٤ ]
وسلم: (من بنى لله مسجدًا قدْر مفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة) رواه البزار والطبراني في المعجم الصغير وابن حبان وقال الألباني صحيح كما في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٢٢٧.
وقوله ﷺ: (قدْر مفحص قطاة) وهو المكان الذي تضع فيه القطاة - طير - بيضها. وهذا يدل على أن الأجر يثبت لمن أسهم في بناء المسجد ولو بشيء قليل لأنه لا يعقل أن يكون المسجد بقدر مفحص قطاة.
ومن الصدقة الجارية التبرع بما يلزم المساجد من أثاث وسجاد وأدوات التنظيف ونحوها.
ومن الصدقة الجارية ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته علمًا علَّمه ونشَره أو ولدًا صالحًا تركه أو مصحفًا ورَّثه أو مسجدًا بناه أو بيتًا لابن السبيل بناه أو نهرًا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي وحسنه الشيخ الألباني كما في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٢٧٥.
فتوريث المصاحف ووقفها على المساجد والمؤسسات العلمية كالمدارس والجامعات تعتبر صدقة جارية.
ومن الصدقة الجارية طباعة كتب العلم النافع وتوزيعها على طلبة العلم وعلى المكتبات العامة وعلى مكتبات المساجد ومكتبات المدارس. ومن الصدقة الجارية بناء مأوى لابن السبيل أو للأيتام أو
[ ١٩٥ ]
للفقراء. ومن الصدقة الجارية مد شبكات المياه ليشرب الناس والحيوان منها، ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث عن الحسن البصري عن سعد بن عبادة ﵁ (أن أمه ماتت فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت أفأتصدق عنها قال: نعم قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وقال الألباني حسن كما في صحيح سنن النسائي ٢/ ٧٧٨.
وجاء في رواية أخرى عند أبي داود (فحفر - أي سعد- بئرًا وقال: هذه لأم سعد). وقال الألباني: حسن لغيره. صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٥٦٧.
ويلحق بذلك أيضًا حفر آبار المياه الارتوازية وغيرها ليشرب منها الناس والحيوان. فقد جاء في الحديث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من حفر بئر ماء لم يشرب منه كبد حرَّى من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة) رواه ابن خزيمة وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٥٦٧ والكبد الحرَّى أي العطشى، والمراد بالكبد الحرَّى أي حياة صاحبها، والحديث يدل على أن في سقي كل ذي روح أجر. انظر النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٦٤.
ومن الصدقة الجارية تركيب المظلات التي تقي الناس من الشمس في الأيام الحارة وتقيهم أيضًا من المطر أيام الشتاء وذلك في مواقف الباصات وفي المدارس وفي المساجد والأماكن العامة وغيرها.
[ ١٩٦ ]
ومن الصدقة الجارية التبرع بثلاجات المياه ووضعها في المساجد أو المدارس أو الأسواق. ومن الصدقة الجارية بناء المستشفيات والعيادات الصحية أو المساهمة فيها وكذلك التبرع بسد احتياجات المستشفيات من الأجهزة الطبية كأجهزة الأشعة والمختبرات وتوفير سيارات الإسعاف والتبرع للمعاقين بالكراسي المتحركة ونحو ذلك.
ومن الصدقة الجارية وقف قطعة أرض لتكون مقبرة لموتى المسلمين. ومن الصدقة الجارية وقف سيارة لنقل الموتى. ومن الصدقة الجارية وقف أدوات لازمة لدفن الموتى. ومن الصدقة الجارية إنشاء معاهد العلم أو المساهمة فيها وخاصة معاهد العلم الشرعي كبناء دور القرآن الكريم أو المساهمة في بنائها وتأثيثها وتزويدها بالمصاحف والكتب النافعة. ومن الصدقة الجارية وقف المحلات التجارية أو البيوت السكنية وجعل أجرتها للفقراء والمساكين.
وخلاصة الأمر أن باب الصدقة الجارية باب واسع من أبواب الخير ويدخل فيه بلا شك إتمام بناء المسجد وكذا تأثيثه بالسجاد أو ما يلزمه من أدوات كهربائية وثلاجات مياه ونحو ذلك.
تمَّ الكتاب بحمد الله تعالى
[ ١٩٧ ]