هدي النبي ﷺ في شهر شعبان
يقول السائل: كيف كان هدي النبي ﷺ في شهر شعبان، أفيدونا؟
الجواب: لا شك أن خير الهدي هدي سيدنا محمد ﷺ فهو أكمل الهدي، وعمله ﷺ خير العمل، وعلى كل مسلم أن يبذل وسعه وطاقته في الاقتداء برسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٢١.
وقد كان أعظم ما يميز هدي المصطفى ﷺ في شعبان هو الصيام حيث كان رسول الله ﷺ يصوم أكثر شعبان، بل إن شهر شعبان هو أكثر شهر صامه رسول الله ﷺ بعد رمضان فقد وردت أحاديث عن النبي ﷺ في ذلك منها:
عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم فما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي سلمة أن عائشة ﵂ حدثته قالت: (لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان وكان يقول خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دووم عليه وإن قلّت وكان إذا صلى صلاة داوم عليها) رواه البخاري.
وعنها ﵂ قالت: (لم يكن النبي ﷺ يصوم أكثر من شعبان فإنه كان يصومه كله) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عنها ﵂ قالت: (ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان كان يصومه إلا قليلا ً)
[ ٩ ]
رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي [وقولها: (كان يصوم شعبان كله، كان يصومه إلا قليلًا) الثاني تفسير للأول، وبيان أن قولها كله أي غالبه، وقيل: كان يصومه كله في وقت، ويصوم بعضه في سنة أخرى، وقيل: كان يصوم تارة من أوله، وتارة من آخره، وتارة بينهما، وما يخلي منه شيئًا بلا صيام، لكن في سنين، وقيل: في تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكونه ترفع فيه أعمال العباد، وقيل غير ذلك] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [ إن صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم. ويدل على ذلك ما خرجه الترمذي من حديث أنس ﵁، سئل النبي ﷺ أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: (شعبان تعظيمًا لرمضان) وفي إسناده مقال. وفي سنن ابن ماجة: (أن أسامة كان يصوم الأشهر الحرم فقال له رسول الله ﷺ (صم شوالًا) فترك الأشهر الحرم فكان يصوم شوالًا حتى مات. وفي إسناده إرسال، وقد روي من وجه آخر يعضده. فهذا نصٌ في تفضيل صيام شوال على صيام الأشهر الحرم، وإنما كان كذلك لأنه يلي رمضان من بعده، كما أن شعبان يليه من قبله، وشعبان أفضل لصيام النبي ﷺ له دون شوال. فإذا كان صيام شوال أفضل من الأشهر الحرم، فلأن يكون صوم شعبان أفضل بطريق الأولى. فظهر بهذا أن أفضل التطوع ما كان قريبًا من رمضان قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق بالفرائض في الفضل وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده. فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة، فكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه] لطائف المعارف ص ٢٤٨ - ٢٤٩.
[ ١٠ ]
وقال بعض أهل العلم: الحكمة من صيام النبي ﷺ أكثر شعبان أن كثيرًا من الناس يغفلون عن الصيام في شعبان فكان ﷺ يصوم أكثره وقد ورد ذلك معللًا في حديث أسامة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر ما تصوم من شعبان؟ قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي معلقًا على حديث أسامة: [ أنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولًا عنه. وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام، وليس كذلك. وروى ابن وهب قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أزهر بن سعد عن أبيه عن عائشة قالت: ذكر لرسول الله ناسٌ يصومون رجبًا، فقال: (فأين هم عن شعبان) وفي قوله: (يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان) إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه، إما مطلقًا أو لخصوصية فيه لا يتفطن لها أكثر الناس فيشتغلون بالمشهور عنه، ويُفَوِتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم، وفيه: دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله ﷿، كما كان طائفة من السلف، يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة ويقولون: هي ساعة غفلة، ولذلك فضل القيام في وسط الليل لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر، وقد قال النبي ﷺ: (إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الليلة فكن)] لطائف المعارف ص ٢٥٠ - ٢٥١.
وهنا لا بد من الإشارة إلى حديث قد يتعارض مع ما ذكرنا وهو ما روي أن النبي ﷺ قال: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) رواه أصحاب السنن
[ ١١ ]
الأربعة. فيجاب عنه من وجهين: الأول: إن الحديث ضعيف ضعفه الإمام أحمد وابن معين والبيهقي. الثاني: إن صح فيحمل النهي في الحديث على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده قاله الحافظ ابن حجر. وقال الشوكاني: [ظاهر قوله ﷺ في حديث أسامة: (أن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان أنه يستحب صوم رجب لأن الظاهر أن المراد أنهم يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم كما يعظمون رمضان ورجبًا به] نيل الأوطار ٤/ ٢٧٦.
وينبغي أن يعلم أنه يكره للمسلم أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين لئلا يختلط النفل بالفرض، أو حتى يستريح الصائم ليدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط. وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا فليصم ذلك اليوم) رواه البخاري. وأخيرًا أنبه على أن إحياء ليلة النصف من شعبان بدعة منكرة لا أصل له في الشرع وما روي أن رسول الله ﷺ قال: (من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) قال ابن الجوزي: [هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وفيه آفات ثم ذكر من آفاته مروان بن سالم قال فيه النسائي والدارقطني والأزدي متروك. العلل المتناهية ٢/ ٥٦٢. وقال الحافظ ابن حجر عنه: [ومروان هذا متهم بالكذب]. الإصابة ٥/ ٥٨٠. وقال الحافظ عنه في لسان الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٤/ ٣٩١. وقال الذهبي في الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٥/ ٣٧٢.
وخلاصة الأمر أنه كان من هدي النبي ﷺ صيام أكثر شهر شعبان.
- - -
[ ١٢ ]