يظن كثير من الناس أن المستخير لا بد له أن يرى في منامه -بعد الاستخارة- رؤيا ترشده إلى الخير في الأمر الذي يستخير فيه، لذلك يحرصون على أداء الاستخارة ليلًا والنوم بعدها، وذلك ظن غير صحيح، لأنه لا يستطيع الجزم هل ما يراه رؤيا أم حديث نفس أم حُلْم شيطاني.
قال ابن الحاج المالكي -﵀-: "وبعضهم يستخير الاستخارة الشرعية، ويتوقف بعدها حتى يرى منامًا يفهم منه فِعْلَ ما استخار فيه أو تَرْكه، أو يراه غيرُه له، وهذا ليس بشيء؛ لأن صاحب العصمة -ﷺ- قد أمر بالاستخارة والاستشارة لا بما يُرى في المنام" (١).
وقال العلَّامة بكر بن عبد الله أبو زيد -﵀-: "النوم بعد الاستخارة لعله -أي: المستخير- يرى رؤيا تدله على أحد الأمرين: عمل لا أصل له". اهـ (٢).
ومن البدع المتعلقة بالاستخارة أن يشترط المستخير أن يُريه الله في منامه خُضرةً أو بياضًا إذا كان ما يقصده خيرًا، ويرى حُمْرةً أو سوادًا إذا كان ما يقصده لا خير فيه (٣).
وعلى العبد إذا استخار ربه -﷿- أن يمضي بعد الاستخارة في الأمر الذي هَمَّ به؛ لقوله -ﷺ-: "ثم يعزم" أي: يقدم على فعل ما استخار فيه.
عن أنس بن مالك -﵁- قال: "لما تُوفِّيَ رسول الله -صلى اللَّه
_________________
(١) "المدخل" (٤/ ٣٧).
(٢) "تصحيح الدعاء" ص (٤٨٨).
(٣) "القول المبين في أخطاء المصلين" للشيخ مشهور حسن ص (٤٠٩).
[ ٧٧ ]
عليه وسلم- كان بالمدينة رجل يُلْحِد، وآخر يُضَرِّح (١)، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فايهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي -ﷺ-" (٢).
وفيه: أن أصحاب النبي -ﷺ- لما استخاروا مضوا في الأمر دون اعتبار لرؤيا أو انشراح الصدر (٣)، بل انتظروا ما يسره الله، واختاره، فعملوا به.
* * *
_________________
(١) اللاحد والضارح: الذي يعمل اللَّحْد، والضَّريح، واللحد: الشق الذي يُعمل في جانب القبر لموضع الميت، لأنه قد أُميل عن وسَط القبر إلى جانبه، والضريح هو القبر، فعيل بمعنى مفعول، من الضَّرْح: الشق في الأرض.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٥٧)، وسنده حسن كما قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٢٥) رقم (٥٣)، وانظر: "أحكام الجنائز" للعلامة الألباني ص (١٨٣).
(٣) إذ لا دليل أيضًا على انشراح الصدر، وقد ينشرح الصدر لهوًى في النفس داخَلَها قبل الاستخارة، قال العز بن عبد السلام -﵀-: "يفعل ما اتفق"، نقله عنه الحافظ في "الفتح" (١٤/ ٤٢٢)، طبعة دار طيبة - الرياض. وقال ابن الزملكاني -﵀-: "إذا صلى الإنسان ركعتي الاستخارة لأمر، فليفعل بعدها ما بدا له سواء انشرحت نفسه أم لا، فإن فيه الخير، وإن لم تنشرح له نفسه، قال: وليس في الحديث اشتراط انشراح النفس". اهـ. من "طبقات الشافعية الكبرى" (٩/ ٢٠٦). وقال الحافظ ابن حجر -﵀-: "والمعتمد أنه لا يفعل ما ينشرح به صدره مما له فيه هوًى قوي قبل الاستشخارة". اهـ. من "فتح الباري" (١٤/ ٤٢٢)، طبعة دار طيبة - الرياض، فالذي ينوي فعل أمرٍ ما، عليه التحري حوله جيدًا، والسؤال عنه، والاستشارة فيه، فإن هَمَّ بفعله استخار فيه متجردًا من كل ميل وهوًى، ثم أقدم عليه، وباشَرَ فِعْلَ ما يريد: فإن كان خيرًا يسره الله، وإن كان شرًّا صرفه الله.
[ ٧٨ ]