فصل
وقال المصنف في صفحة (٦٦ وما بعدها) ما ملخصه:
إخباره - ﷺ - بالعصريين الملاحدة الزنادقة وذكره أوصافهم التي هم عليها الآن. ثم ذكر حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم» وذكر أيضا حديث ابن مسعود ﵁ بنحو حديث علي ﵁.
ثم قال: فهؤلاء الأحداث المذكورون هم هذا الشباب الفاسد الكافر الملحد المارق من الدين: إلى آخر كلامه فيهم.
ثم قال: وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز وأخبر أنهم كافرون غير مؤمنين: فقال تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) وذكر جميع الآيات الواردة في المنافقين في أول سورة البقرة إلى قوله (إن الله على كل شيء قدير).
ثم قال فهذه الآيات يزعم كثير من المفسرين أنها نازلة في المنافقين وليس كما زعموا، بل هي نازلة في هؤلاء الملاحدة المفسدين، كما بينته في كتابي: «بيان غربة الدين، بواسطة العصريين المفسدين» من وجوه تزيد على العشرين كلها قاطعة في تحقيق نزولها فيهم، وأن المنافقين إنما أدخلهم المتقدمون فيها لأنه
[ ١١٣ ]
لم يكن أمامهم غيرهم، فكانت الضرورة داعية لهم إلى تنزيلها عليهم، كما فعلوا في آيات أخرى واردة في هذا الزمان فحملوها على ما كان موجودا في زمانهم؟ كما قدمناه في قوله تعالى (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون). وكما فعلوا في قوله تعالى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) الآية وغيرها.
قال: والمقصود أن هذه الآية لم تنزل في المنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -، وإنما هي نازلة في هؤلاء المنافقين المارقين الملاحدة المتفرنجين والذين ولدهم الاستعمار الكافر وانتجتهم مدارسه الإفرنجية للقضاء على الإسلام.
والدليل على ذلك أمور:
ثم ذكر ما روي عن سلمان ﵁ في قوله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) قال سلمان: لم يجيء أهل هذه الآية بعد قال: وقد قال ابن جرير يحتمل أن سلمان ﵁ أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادًا من الذين كانوا في زمن النبي - ﷺ -: لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد. قال المصنف وليس كذلك، بل مراد سلمان أن أهل هذه الآية سيكونون في آخر الزمان، وليس المراد بها أحدا ممن كان في عصر النبي - ﷺ -، لأنها لا يمكن أن تنطبق عليهم إلا بتأويل وتكلف بخلاف أهلها النازلة فيهم من ملاحدة هذا العصر وشبابه الفاسد فإنها منطبقة عليهم حرفًا حرفًا، قال: ولم يبق أدنى شك في أنهم المراد من الآيات المذكورة.
[ ١١٤ ]
قال: والثاني - وهو من الأدلة القاطعة -: أن كلمة مصلح لم تتداول ولم يعرف الإكثار من ذكرها: بل ولا ذكرها مطلقًا إلا عند ظهور هذا النشء الفاسد المارق، فلا تسمع كلمة مصلح من مؤمن بالله ورسوله، وإنما تسمعها منهم حتى صارت شعارًا لهم. فتعين أن الآية نازلة فيهم لا في منافقي عصر النبي - ﷺ -، فإنه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يقولون إنهم مصلحون، ولا نقل عن واحد منهم كلمة مصلح.
قال: والثالث أنه لم ينقل عن المنافقين أنهم كانوا يفسدون في الأرض ولا كان لهم كثرة وانتشار حتى يقال إنهم أفسدوا في الأرض، وإنما الذين ملؤوا الأرض فسادا هم المارقون الملاحدة.
قال: وأما منافقو زمانه - ﷺ - فلم يحصل منهم فساد في البقعة الصغيرة التي كانوا بها مطلقا، فضلا عن أن يحصل منهم في الأرض، بل ما صدر منهم مما يسمى فسادا في الأرض مقدار شعرة بالنسبة لثور مما صدر من هؤلاء، بل لم يصدر من أولئك فساد أصلا إلا ما كان في نفوسهم من الكفر القاصر عليهم، وهو النفاق، فكيف يمكن حمل الآية عليهم وهم أبرياء منها.
ثم قال: فأقسم بالله تعالى إن الله تعالى ما أراد بالآيات إلا هؤلاء المارقين وأنه لو رآهم المفسرون من السلف لقطعوا بذلك ورجعوا عن تنزيلهم الآية على منافقي عصر النبي - ﷺ -.
ثم أطال الكلام في الذب عن المنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -، وذكر أنه لم يحصل منهم خداع لمؤمن واحد، وأن
[ ١١٥ ]