تنوع دلالات السنة في إثبات صفة النزول لله تعالى
وقد تنوعت الدلالات في إثبات صفة النزول لله تعالى مما يمنع حملها على المجاز، وتتعين بها حقيقة النزول المعروف لغة: وهو ما كان من أعلى. وإليك بعض دلالاتها:
لفظ النزول
عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (ينزل ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر) (١).
ها هنا خمسة ألفاظ تنفي المجاز وتؤكد الحقيقة:
الأول: نسبة النزول إليه سبحانه (ينزل الله).
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٣٨٤) ومسلم واللفظ له (٧٥٨).
[ ٥١٨ ]
الثاني: نسبة القول إليه (فيقول).
الثالث: وصفه لنفسه بقوله: (أنا الملك، أنا الملك).
الرابع: أمره العباد بما لا يجوز إلا له: (من ذا يدعوني، يسألني، يستغفرني؟).
الخامس: ذكر أفعاله التي ليست لأحد غيره: (فأستجيب له، فأعطيه، فأغفر له).
لفظ الهبوط
عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (إذا كان ثلث الليل الباقي يهبط الله ﷿ إلى السماء الدنيا ثم تفتح أبواب السماء ثم يبسط يده فيقول: هل من سائل يعطى سؤله؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر) (١).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا ذهب ثلث الليل الأول هبط الله إلى السماء الدنيا، فلا يزال بها حتى يطلع الفجر، يقول: قائل ألا من داع فيستجاب له، ألا من مريض
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٣٨٨) وأبو يعلى (٩/ ٢١٩) والدارمي في الرد على الجهمية (ص٧٧) وابن خزيمة في التوحيد (ص١٣٤) والآجري في الشريعة (ص٣٢٥) وابن بطة في الإبانة (٣/ ٢٠٨) والدارقطني في النزول (ص٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٣): (رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح). وصححه الألباني في إرواء الغليل (٢/ ١٩٩)
[ ٥١٩ ]
يستشفي فيشفى، ألا من مذنب يستغفر فيغفر له) (١).
التصريح بأنه تعالى هو السائل لا غيره
عن رفاعة بن عرابة الجهني - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا مضى من اليل نصفه، أو ثلثاه، هبط الله إلى السماء الدنيا، ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له، من ذا الذي يدعوني استجب له، من ذا الذي يسألني أعطيه، حتى يطلع الفجر) (٢).
التصريح بالصعود بعد الهبوط
عن الأغر أبي مسلم قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ١٢٠) وأبو محمد الدارمي في سننه (١/ ٤١٤) وعثمان الدارمي في الرد على الجهمية (ص٧٤،٧٨) والنسائي في الكبرى (٦/ ١٢٥) وأبو يعلى (١١/ ٤٤٧) والآجري في الشريعة (ص٣٢٣) والدارقطني في النزول (ص١٣٣ - ١٣٨) وابن المظفر في غرائب مالك (ص١٣٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٢٥).
(٢) رواه أحمد (٤/ ١٦) والطيالسي (ص١٨٢) والنسائي في الكبرى (٦/ ١٢٢) والدارمي في سننه (١/ ٤١٣) وابن ماجه (١/ ٤٣٥) وابن خزيمة في التوحيد (ص١٣٢) وأبو عوانة في مسنده (٢/ ٢٨٩) والطبراني في الكبير (٥/ ٤٩) وابن بطة في الإبانة (٣/ ٢١٤ - ٢١٥) والآجري في الشريعة (ص٣٢٥) والدارقطني في النزول (١٦٨ - ١٧٥) وابن حبان في صحيحه (١/ ٢١٧) واللالكائي (٣/ ٤٤١) والصابوني في عقيدة السلف (ص٥٨) وأبو إسماعيل الهروي في الأربعين في دلائل التوحيد (ص٨٠).
[ ٥٢٠ ]
﵄: يشهدان لي على رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إذا ذهب ثلث الليل الأوسط، هبط الرب تعالى إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ حتى يطلع الفجر، ثم يصعد إلى السماء) (١).
وقد وصف الله تعالى نفسه بما يؤكد حقيقة النزول وينفي المجاز:
وصف نفسه بالإتيان
قال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ الأنعام١٥٨.
ففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان أمره، وإتيان نفسه.
وقال: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ البقرة٢١٠.
ففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان نفسه.
وصف نفسه بالمجيء
قال تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ الفجر٢٢.
ففرّق بين مجيئه وبين مجيء الملائكة.
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ: أبو عوانة في مسنده (٢/ ٢٨٨) والدارقطني في الرؤية (ص١٤٩) وقال بعده: (زاد فيه يونس بن أبي إسحاق زيادة حسنة) أي: ثم يصعد إلى السماء. والحديث رواه مسلم (٧٥٨).
[ ٥٢١ ]
وصفه تعالى بالدنو
عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في حديثه الطويل في ذكر الإسراء والمعراج وفيه: (ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة) (١).
ومعلوم أن تنوع الدلالات لمعنى النزول يمنع حمله على المجاز، ويؤكد إرادة الحقيقة. فنزول، وهبوط، وصعود، وإتيان، ومجيء، وتدلٍّ، ونداء العباد بـ: أنا الملك، ولا أسأل عن عبادي غيري. وترغيب بـ: من يدعوني، من يستغفرني، من يسألني، ومجازاة بـ: فأستجيب له، فأغفر له، فأعطيه.
أفمع كل هذا التنوع والتصرف في الألفاظ والدلالات، يمكن أن يكون النزول مجازًا، سبحانك هذا بهتان عظيم!!
_________________
(١) رواه البخاري (٦/ ٢٧٣٠).
[ ٥٢٢ ]