نستطيع القول إن أبا رية لم يترجمه أحد، فقد جهِدْتُ وجَهِد الباحثون قبلي للوقوف على ترجمة له أو تعريف به فلم نظفر بكبير شيء، عدا معلومات متناثرة هنا وهناك، فكأنما تواصى الناسُ على إخمال ذكره (^٢)! ولولا أنه يُعاد ذكرُه عند الطاعنين في السنة والحديث مستشهدين بكتابه،
_________________
(١) تنبيه: هناك شخصية أخرى بالاسم نفسه "محمود أبو رية" وهو داعية مصريّ من الإخوان المسلمين (ت ٢٠٠٤)، وقد وقع خلطٌ بين الاثنين من بعض الكتّاب، وعليه جرى التنبيه.
(٢) حتى أصدقاؤه ومعارفه ممن كتب في تراجم المعاصرين! وقد كنت كتبت رسالة إلى الأستاذ وديع فلسطين، أطلب منه أن يكتب لي ما يعرفه عن أبي ريّة، فلم يصلني منه شيء حتى اللحظة، وكان قد ذَكَره في مواضع من كتابه "وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره" ووصفه بالصديق.
[ ١٧ ]
وعند المدافعين عنها نقضًا لكلامه= لكان نَسْيًا منسيًّا! وهذا من عجيب صنع الله به!
غير أنه قد ذكره من لا يُفرَح بهم، من أعدء السنة وسُباب الصحابة، فذكروه وأشادوا به، وخلعوا عليه أفخم الألقاب، وسعوا في طباعة كتبه، وصارت بينه وبينهم صِلات حميمة ومودّة ورسائل خاصة. وأهمّ مَن ذَكَره منهم مرتضى الرضوي في كتابه "مع رجال الفكر في القاهرة": (١/ ١٣٠ - ١٥٨) (^١). والكتاب عبارة عن ذكريات المؤلف بمن التقى بهم في القاهرة، وما دار بينهم من أحاديث وحوارات، وليست تراجم متكاملة. وسنذكر منه ومن غيره (^٢) ما يفيد في التعريف بأبي رية.
اسمه: محمود أبو رية.
ولده في كفر المندره (مركز أجا) محافظة الدقهلية في ١٥ ديسمبر عام ١٨٨٩ م.
وتوفي في ١١ ديسمبر ١٩٧٠ م بالجيزة.
عاش في بلدته عيشة جيدة الحال، إلى أن حلّت به وبأسرته سنة ١٩١٦ م نكبةٌ مالية ذهبت بكل ما يملكون وساءت حاله جدًّا (^٣). وبقيت حاله في فاقة، وكان كثير الشكوى من حاله وتقلّب الدهر به (^٤).
_________________
(١) أرشد إلى هذه الترجمة أخي الشيخ عبد الرحمن قائد.
(٢) ما كان من غيره ذكرتُ مصدره.
(٣) "رسائل الرافعي" (ص ٢١).
(٤) المصدر نفسه (ص ٢٣، ٣٤ - ٣٥).
[ ١٨ ]
انتسب إلى الأزهر في مقتبل عمره، لكنه لم يتجاوز المرحلة الثانوية الأزهرية مع محاولته أكثر من مرة، ثم عمل مصححًا للأخطاء المطبعية بجريدةٍ في بلده، ثم موظفًا في دائرة البلدية حتى أحيل إلى التقاعد (^١).
انتقل إلى المنصورة في سنة ١٩٢٤ م أو قبلها، ولم يأنس بها وكان يشكو من الوحشة فيها (^٢).
وفي المنصورة تولى تحرير جريدة التوفيق، وكان يشارك في تحرير جريدة المنصورة، ويراسل جريدتي المقطم والسياسة (^٣). ومع أنه قد تيسّرت أموره وحصّل وظيفة جديدة فلم يكن راضيًا بالحال التي هو عليها (^٤).
قضى أكثر أيام عمره في مدينة المنصورة حتى وفد إلى الجيزة عام ١٩٥٧ م، وبقي فيها إلى حين وفاته.
بدأ محمود أبو رية حياته ملتمسًا التعرّف بأشهر أُدباء عصره وكُتّابهم، حتى اتصلت أسبابه بإمام الأدب مصطفى صادق الرافعي عن طريق المراسلة، وذلك من عام ١٩١٢ م إلى عام ١٩٣٤ م قبل وفاة الرافعي بثلاث سنين (^٥).
_________________
(١) السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام ص ٢١.
(٢) "رسائل الرافعي" (ص ٩٤).
(٣) المصدر نفسه (ص ٩٣).
(٤) المصدر نفسه (ص ٩١، ١٠٧، ١١٠، ١١٣).
(٥) بلغ مجموع الرسائل التي وصلته من الرافعي حوالي ٣٥٠ رسالة. نشر منها أبو رية ٢٦٣ رسالة، ومن خلالها استفدنا هذه المعلومات المعزوّة إليها. وللرافعي اهتمام بالغ بما يَرِدُ إليه من الرسائل وبأصحابها، وله في ذلك طرائف. انظر "حياة الرافعي" (ص ٢٥٠) للعريان.
[ ١٩ ]
وواضح من رسائله إلى الرافعي أنه كان يسعى لأن يكون كاتبًا يملك ناصية الأدب، ففي كثير منها يسأله عن كتب الأدب وكيف قراءتها، وكتب النحو والمنطق والتصحيح اللغوي (^١).
بدأ أبو رية بالكتابة في الصحف والمجلات المعروفة في عصره، وبتلخيص بعض الكتب الأدبية، ككتاب الحيوان للجاحظ وبعض الكتب الأدبية (^٢).
وكان في أولى مقالاته مدافعًا عن الدين وعن البلدان الإسلامية، فمرَّة تراه يستنجد للحجاز ليهب المسلمون بتقديم يد المساعدة إليه، وإلى أهل الحرمين قبيل الحرب العالمية الثانية، في مقال بعنوان: ما يجب على المسلمين للحجاز (^٣).
ومرةً يدعو إلى تطهير التوحيد مما لصق به، وإخلاصه لله ﷿ في مقال بعنوان: تطهير العقائد أساس الإصلاح في البراء (^٤).
بل نجده أحد الذين تصدّوا للردّ على توفيق الحكيم في دعوته إلى توحيد الأديان.
_________________
(١) "رسائل الرافعي" (ص ١٣، ١٥، ٤٠، ٢٨، ١٢٢).
(٢) المصدر نفسه (ص ١١٥). ولم يحمد الرافعي تلخيصه وقال: إنه لم يحسن الاختيار.
(٣) مجلة الفتح: العدد ٥٢٤، ١٢ محرم ١٣٥٦ هـ، جـ ١١، ص ١٠٣٤.
(٤) مجلة الفتح: العدد ٥٤٣، ١٩ محرم ١٣٥٦ هـ.
[ ٢٠ ]
قد تعود بداية انحراف أبي رية عن السنة إلى عام ١٣٦٣ هـ حيث نشاهده في "مجلة الفتح الإسلامية" وهو يدافع عن القرآن، لكنه في الوقت نفسه يغمز ويلمز السنة ضمنًا (^١).
وبدا أكثرَ صراحة في نقد السنة الصحيحة والقدح فيها بعد ذلك؛ فكتب مقالًا في "مجلة الرسالة" في إنكار حديث سِحْر النبي - ﷺ - الوارد في الصحيح، وردّ عليه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي.
ثم وضَح انحرافه عن السنة بعد ذلك في مقال له في "مجلة الرسالة" عدد ٦٣٣ رمضان ١٣٦٤ هـ/١٩٤٥ م بعنوان "الحديث المحمدي". ذَكَر فيه أن مقاله هذا خلاصة كتاب سيُنشر في هذا الخصوص. وقد رد على مقاله ذاك الدكتور محمد أبو شهبة في "مجلة الرسالة" نفسها بعد نحو شهرين عدد ٦٤٢ سنة ١٣٦٤ هـ. ثم ردّ على الردّ أبو رية في العدد ٦٥٤ من المجلة نفسها (^٢).
وبعد ذلك بنحو ثلاث عشرة سنة نَشَر أبو رية ما وَعَد به في كتاب بعنوان "أضواء على السنة المحمدية".