يدعه. انظر ص ٣٥٣ منه. ونجده يحتجُّ كثيرًا بأقوال لا يعتقد صحتها بل قد يعتقد بطلانها، ولكنه يراها موافقةً لغرضه. ويحاول إبطال أحاديث صحيحة بشبهات ينتقل الذهن فور إيرادها إلى ورودها على آيات من القرآن. فهذا وأشباهه يجعلنا نشفق على أبي ريَّة ومنه.
قال: (وأرجو كذلك وقد حسرت النقاب عن وجه الحق في أمر الحديث المحمدي الذي جعلوه الأصل الثاني من الأدلة الشرعية بعد السنة العملية ) (^١).
أقول: نعم نحن المسلمين لا نفرِّق بين الله ورسله، بل نشهد أن لا إلـ؟ هـ إلا الله وأن محمدًا رسول الله المبلِّغ لدين الله والمبيِّن لكتاب الله بسنته، بقوله وفعله وغير ذلك مما بَيَّن به الدين، ونؤمن ونَدِين بما بلَّغنا إياه بالكتاب وبالسنة، والأحاديث أخبار عن السنة، إذا ثبتت ثبت ما دلت عليه السنة. ولسنا نحن بالجاعلي السنة بهذه المرتبة، بل الله ﷿ جعلها. وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، وقد تكفل الله تعالى بحفظ دينه، ووفق الأمة التي وصفها بأنها خير أمة أُخرجت للناس، فقام أئمتها وعلماؤها بما أُمِروا به من حفظ الدين وتبليغه على الوجه الذي اختاره الله ورسوله، فلم يزل محفوظًا إن خفيَ بعضُه على الجهال لم يَخْفَ على العلماء، وإن خفيَ على بعض العلماء لم يَخْفَ على بقيَّتهم، وما في كتابك هذا من حق فعنهم نَقَلْتَه، وباطلك مردود عليك.
قال: (واتخذوا منه أسانيد لتأييد الفرق الإسلامية ودلائل على الخرافات والأوهام، وقالوا بزعمهم: إنها دينية) (^٢).
_________________
(١) قوله: "الذي جعلوه " محذوف من الطبعات اللاحقة.
(٢) هذه الفقرة والتي بعدها، وقوله في الفقرة الآتية: "وأن تنزّه ذاته " محذوف من الطبعات اللاحقة.
[ ١٢ / ٢١ ]
أقول: ما مِنْ فرقة من الفرق الإسلامية إلا ولديها شيء من الحق، وما تسميه أنتَ خرافات وأوهامًا منه ما هو حق وإن [ص ١٠] زعمت. والأحاديث التي يثبتها أهل العلم حق ولا يُسْتَنكر للحق أن يشهد للحق، وأما الأحاديث الباطلة فمنها ما نصوا على بطلانه وهو كثير، ومنها ما يُعرف بالنظر فيه على طريقتهم بطلانه أو وهنه، أو على الأقل الشك في صحته.
قال: (وكشفت القناع عما خفي على الناس أمره).
أقول: أمَّا أهل العلم فلم تزدهم علمًا، وأما غيرهم فالذي في كتابك مما يضللهم ويَلْبِس عليهم دينهم أكثر مما قد يفيدهم.
ثم قال: (أرجو أن أكون قد وفقت إلى الدفاع عن السنة القولية وحياطتها عما يشوبها، وأن يصان كلام الرسول من أن يتدسس إليه شيء من افتراء الكاذبين، أو ينال منه كيد المنافقين وأعداء الدين، وأن تنزه ذاته الكريمة من أن يعزى إليها إلا ما يتفق وسموّ مكانها وجلال قدرها ).
أقول: أما ما نقله من كتب علماء الحديث، مِن شرائط الصحيح، وبيان المعتل، وعلامات الموضوع، وبيان أن كثيرًا من الأحاديث الصحيحة رُويت بالمعنى، ونحو ذلك= فإنه يليق به هذا الوصف. وأما كثير مما نقله عن غيرهم أو جاء به من عنده، فوصفه بذلك بمنزلة أن يجمع رجل كتابًا يطعن في آيات كثيرةٍ من القرآن بزعم أنها ليست منه، وأن فيه كثيرًا من ذلك، ثم يزعم أن غرضه هو "الدفاع عن الكلام الرباني وحياطته عما يشوبه وأن يصان كلام ربِّ العِزَّة وأن تنزَّه ذاتُه المقدَّسة من أن يعزى إليها إلا ما يليق بجلالها " ونحو ذلك.
قال ص ١٥: (وإذا كان هذا الكتاب سيغير ولا ريب من آراء كثير من المسلمين
[ ١٢ / ٢٢ ]