يقع في الكتاب والسنة ترك بيان بعض الأمور في موضع لائق به اعتمادًا على بيانه في موضع آخر، وليس هذا بأكثر من مجيء عموم أو إطلاق في القرآن، ومجيء تخصيصه أو تقييده في السنة.
[ص ٥٩] قال ص ٦٨: (حديث زوجتكها بما معك) ذَكَر أنه رُوي على ثمانية أوجه: (١ - قد زوجتكها بما معك من القرآن، ٢ - زوجتكها على ما معك الخ، ٣ - أنكحتكها بما الخ، ٤ - قد ملكتكها بما الخ، ٥ - قد أملكتكها بما الخ، ٦ - قد أمكناكها الخ، ٧ - أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها، ٨ - خذها بما معك الخ).
أقول: الثامنة لم تُذْكر في «فتح الباري»، والسابعة سندها واهٍ، والسادسة صوابها على ما استظهره في «الفتح» (^١): أمْلَكْناكها، والست الأولى معناها واحد، وكذا حكمها عند جمهور أهل العلم. وقال قوم: لا يصح العقد إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح كما في الثلاث الأولى، فأما الثلاث التي تليها فلا يصح التزويج بها. وأجابوا عن هذه الروايات بأن أرجحها وأثبتها عن النبي - ﷺ - هي التي بلفظ التزويج. فتحصَّل من هذا أن الرواية بالمعنى وقعت، ولكن لم يترتب عليها مفسدة، ولله الحمد. على أن المعنى الأهم في الحديث وهو التزويج بتعليم القرآن لم تختلف فيه الروايات.
قال ص ٦٨: (حديث الصلاة في بني قريظة) ذكر أنه وقع عند البخاري: «لا يصلينّ أحدُكم العصرَ إلا » (^٢) وعند غيره: «لا يصلينّ أحدُكم الظهرَ إلا » (^٣) مع اتحاد المخرج.
_________________
(١) (٩/ ٢١٤).
(٢) البخاري (٩٤٦، ٤١١٩).
(٣) أخرجه مسلم (١٧٧٠)، وابن حبان (١٤٦٢)، والبيهقي: (١٠/ ١١٩).
[ ١٢ / ١١٥ ]
أقول: في «الفتح» (^١): إن الذي عند أهل المغازي «العصر» وكذلك جاء من حديث عائشة ومن حديث كعب بن مالك. ورواه جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر، فقال أبو حفص السلمي عن جويرية: «العصر»، وقال أبو غسان عن جويرية: «الظهر». ورواه عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية، فقال البخاري عنه: «العصر»، وقال مسلم وغيره عنه: «الظهر» فذكر ابن حجر احتمالين:
حاصل الأول: بزيادة أن جويرية قال مرَّةً «العصر» كما رواه عنه أبو حفص السلمي، ومرَّةً «الظهر» كما رواه عنه أبو غسان، وكتبه عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية على الوجهين، فسمعه البخاريُّ مِن عبد الله على أحدهما، ومسلم وغيره على الآخر. وكأنَّ البخاريّ راجع عبدَ الله في ذلك ففتَّش عبدُ الله أصولَه فوجد الوجه الذي فيه «العصر» فأخذ به البخاري لعلمه أنه الصواب.
الاحتمال الثاني: أن يكون البخاري إنما سمعه من عبد الله بلفظ «الظهر» ولم يكتبه البخاري إلا بعد مدَّة من حفظه فقال: «العصر» أخطأ لفظ شيخه وأصاب الواقع.
أما ما ذكر أنّ البخاريّ كان يحفظ ثم يكتب مِن حفظه، فإن صحَّ ذلك فهذا صحيحه فيه آلاف الأحاديث، وقلَّ حديثٌ منها إلا وقد رواه جماعة غيره عن شيخه وعن شيخ شيخه، وقد تتبَّع ذلك المستخرجون عليه وشُرَّاحه، فإذا لم يقع له خطأ إلا هذا الموضع ــ على فَرْض أنه أخطأ ــ كان هذا من أدفع الحجج لتشكيك أبي ريَّة.
_________________
(١) (٧/ ٤٠٨ ــ ٤٠٩).
[ ١٢ / ١١٦ ]
قال أبو ريَّة ص ٦٩: (وبلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم، ثم يعزونه إلى كتب السنة ).
أقول: حاصله أن البيهقي يروي عن كتبه الأحاديث بأسانيده إلى شيخ البخاري أو شيخ شيخه ومَنْ فوقه، ويقع [ص ٦٠] في لفظه مخالفة للفظ البخاري مع اتفاق المعنى، ومع ذلك يقول: «أخرجه البخاري عن فلان» ولا يبين اختلاف اللفظ، وكذا يصنع البغوي.
وأقول: العذر في هذا واضح، وهو اتفاق المعنى مع جَرَيان العادة بوقوع الاختلاف في بعض الألفاظ، وكتاب البخاري متواتر فأقلّ طالب حديث يشعر بالمقصود.
وذكر قول النووي (^١) في حديث: «الأئمة من قريش»: «أخرجه الشيخان» مع أن لفظهما: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» (^٢).
أقول: المعنى قريب، وقد يكون النووي ﵀ وهِم، ومثل هذا لا يقدِّم ولا يؤخِّر، لأن «الصحيحين» متواتران.
قال أبو ريَّة ص ٧٠: (ضرر رواية الحديث بالمعنى) وساق عبارة طويلة لابن السِّيْد البَطَلْيَوْسِيّ في «أسباب الاختلاف». وفيها (ص ٧٢ - ٧٣) ما يخشى منها، وقد قدمنا (ص ٢١ - ٢٢ - و٥٥) (^٣) ما فيه الكفاية.
وذكر ص ٧٤ حديث: «إن يكن الشؤم ففي ثلاث». وسيأتي النظر فيه بعد النظر
_________________
(١) في «المجموع شرح المهذّب»: (١/ ٧).
(٢) البخاري (٣٥٠١)، ومسلم (١٨٢٠) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) (ص ٤٢ ــ ٤٤، ١٠٨).
[ ١٢ / ١١٧ ]