يكتبون ويُبْقُون كتبهم.
قال: (وإذا أضفت إلى هذا ما ورد في عدم رغبة كبار الصحابة في التحديث بل في رغبتهم عنه).
أقول: سيأتي رد هذا مفصّلًا. والتحقيق أنَّ بعض كبار الصحابة يرون أن تبليغ الأحاديث إنما يتعين [ص ٣١] عند وقت الحاجة، ويرون أنهم إذا بلَّغوا بدون حضور حاجة فقد يكون منهم خطأ ما قد يؤاخذون به، بخلاف ما إذا بلَّغوا عند حضور الحاجة فإنَّ ذلك متعيّن عليهم، فإما أن يحفظهم الله تعالى من الخطأ، وإما أن لا يؤاخذهم. ولهذا رُويت الأحايث عنهم كلهم، ولم يُنْقَل عن أحدٍ منهم أنه كان عنده حديث فتحققت الحاجة إلى العمل به فلم يحدّث به.
وكان جماعة آخرون من الصحابة يُحدّثون وإن لم تتحقق حاجة، يرون أن التبليغ قبل وقت الحاجة مُرغَّب فيه، لقول النبي - ﷺ -: «حدِّثوا عَنّي ولا حَرَج» (^١) وغير ذلك من الأدلة الداعية إلى نشر العلم وتبليغ السُّنة. ولكلٍّ وجهة، وكلّهم على خير. على أنه لما قَلَّ الصحابة رجحت كِفّة الفريق الثاني.
قال: (بل في نهيهم عنه).
أقول: لم ينهوا، وكيف ينهون وما من أحد منهم إلا وقد حدَّث بعدد من الأحاديث، أو سأل عنها، وإنما جاء عن عمر أنه نهى عن الإكثار، ومرجع ذلك إلى أمرين: الأول: استحباب أن لا يكون التحديث إلا عند حضور
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري.
[ ١٢ / ٦١ ]
الحاجة. الثاني: ما صرَّح به من إيثار أن لا يشغل الناس ــ يعني بسماع الأحاديث دون حضور حاجة ــ عن القرآن.
وجاء عنه كما يأتي: «أقلُّوا الرواية عن رسول الله - ﷺ - إلا فيما يعمل به». و«العمل» في كلامه مطلق، يعمُّ العبادات والمعاملات والآداب، لا كما يهوى أبو رية.
قال: (قويَ عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث (كلها) دينًا عامًّا دائمًا كالقرآن).
أقول: هذه نظريته القائلة: «دين عام ودين خاص» والذي يظهر من كلماته أن الدين العام الدائم هو الدين الحقيقي اللازم، وأنه كما عبَّر عنه فيما مضى (ص ١٥) (^١) «المتفق عليه». وعلى هذا فمقصوده أن ما ذكر هنا يقوى عند مخاطبه أنَّ الصحابة كانوا لا يوجبون العمل بالأحاديث الثابتة عندهم عن رسول الله - ﷺ - إلا قدرًا يسيرًا هو الذي اتفقوا ووافقهم بقية الأمة بعدهم على العمل به، وأن ما زاد على ذلك فالأمر فيه على الاختيار: مَنْ شاء أخذ، ومَنْ شاء تَرَك. بل إنهم كانوا يرون من الخير إماتة تلك الأحاديث!
فإن كان هذا مراده فبطلانه معلوم من الدين قطعًا. وحسبك أنه لم يجد أحدًا من علماء الأمة يَنْسب إليه هذا القول بحق أو باطل سوى ما مرّ (ص ١٥) (^٢) مِنْ نِسْبته أو نحوه إلى الغزالي، وقدّمنا بيان بطلان تلك النسبة. هذا ونصوص الكتاب والسنة، والمتواتر عن الصحابة، وإجماع علماء الأمة، كلّ ذلك يُبْطل قولَه هذا قطعًا.
_________________
(١) (ص ٣١) من هذه الطبعة.
(٢) (ص ٣١).
[ ١٢ / ٦٢ ]
على أن نظريته هذه لا تقتصر على إهمال الأحاديث الصحيحة، بل تتضمن كما تقدم (ص ١٥) إهمال دلالات القرآن [ص ٣٢] التي نقل ما يخالفها عن بعض من نُسِب إلى العلم ولو واحدًا فقط. فعلى زعمه دلالاتُ القرآن الظاهرة والأحاديث الصحيحة، ولو رواها عدد من الصحابة، لا يلزم المسلم أن يعمل بشيء منها قد نُقِل عن منسوبٍ إلى العلم ما يخالفه، وإن كان الجمهور على وَفْق ذلك الدليل. كأنَّ عنده أن العالم إن خالف الدليل فهو معصوم من أن يغلط أو يغفل أو يزلّ أو يضلّ، وإن وافق الدليل فليس بمعصوم. هذا حكمهم غير متفقين، فأما إذا اتفقوا فهم معصومون إلا في مخالفتهم لنظريته (^١) هذه.
قال: (ولو كانوا فهموا من النبي - ﷺ - ذلك لكتبوا أو لأمروا بالكتابة، ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وَثِقُوا به، ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتَّبَعَة المعروفة للجمهور بجريان العلم بها).
أقول: قد بيَّنّا أن النبيّ - ﷺ - لم يكتب مصحفًا، وأن أبا بكر وعمر وعثمان ــ مدة من ولايته ــ لم يكتبوا إلا مصحفًا واحدًا بقي عندهم لا يكاد يصل إليه أحد، فما بالك بالإرسال إلى العمّال، وإن عثمان إنما كتب وبعث بضعة مصاحف إلى بعض الأقطار لمنع الناس من القراءة بخلاف ما فيها، وقد علمنا أنه لم يحفظ القرآنَ كلَّه في عهد النبي - ﷺ - إلا نفر يسير، أربعة أو نحوهم، وذكر ابنُ سعد (^٢) وغيره أن أبا بكر وعمر ماتا قبل أن يحفظا القرآن كله. وقد بعث النبيّ - ﷺ - ثم أبو بكر ثم عمر جماعةً من العمال لم يحفظ كلّ
_________________
(١) (ط): «لنظرية».
(٢) «الطبقات»: (٣/ ١٩٣، ٢٧٥) عن محمد بن سيرين. وفيه نظر. راجع «فتح الباري»: (٩/ ٥١ ــ ٥٢).
[ ١٢ / ٦٣ ]