لا يجوز فعله.
وأما قولهم: من ذا الذي كان يؤذن من داخل قبر رسول الله - ﷺ -.
فجوابه أن يقال: إن إسناد الخبر في سماع الأذان من القبر النبوي ضعيف جدًا وقد تقدم بيان ذلك، وما لم يثبت بإسناد صحيح فإنه لا يعتد به، ولم يذكر عن النبي - ﷺ - أنه أذن في حياته ولا مرة واحدة، فكيف يتوهم أنه كان يؤذن في قبره بعد مماته وانقطاع التكاليف عنه، على تقدير ثبوت ما ذكر عن سعيد بن المسيب فإنه محمول على أن الأذان كان من بعض الملائكة الذين كانوا يحضرون عند القبر الشريف ويبلغون رسول الله - ﷺ - من أمته السلام فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» رواه الإمام أحمد والنسائي والدرامي بأسانيد صحيحة على شرط مسلم. ورواه أيضا ابن حبان في صحيحه، وبالجملة فليس في سماع الأذان من القبر النبوي ما يتعلق به أهل الغلو في القبور والإشراك بأصحابها.
الخامس قولهم: ما لنا وللحملة على أولياء الله وزوارهم الداعين عند قبورهم ومقاماتهم بعد أن قال رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن رب العزة: «إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث
[ ١٤ ]
الحرب».
والجواب أن يقال: ليس في النهي عن الدعاء عند قبور الصالحين شيء من الحملة عليهم وإنما فيه النهي عن الغلو فيهم وعن اتخاذ قبورهم مساجد وأعيادا يعتاد المجيء إليها للتبرك بها والدعاء عندها لأن ذلك من أعظم أسباب الشرك، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن اتخاذ قبره عيدًا وعن اتخاذ القبور مساجد ولعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأخبر أنهم من شرار الناس وأنه قد اشتد غضب الله عليهم، وفي هذا أبلغ زجر عن الصلاة عند القبور والدعاء عندها. وعلى هذا فينبغي أن تشدد الحملة على الزوار الذين يأتون إلى قبور الصالحين ومقاماتهم للتبرك بها والدعاء عندهم ويُمنعون من الغلو في الأموات واتخاذ قبورهم مساجد وأعيادًا.
وأما الأثر الذي فيه: «إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب». فليس فيه ما يتعلق به المفتونون بالدعاء عند القبور، وإنما معناه أن الله تعالى ينصر أولياءه المتقين ويأخذ لهم بالثأر ممن يؤذيهم ويظلمهم ويبغي عليهم في حال حياتهم. وربما عجل العقوبة لمن يسبهم ويقع في أعراضهم من بعد موتهم كما وقع ذلك لبعض الذين يسبون الصحابة ويتنقصونهم، فأما تحري الدعاء
[ ١٥ ]