عند قبور الصالحين ومقاماتهم فهو من أقرب الوسائل وأعظم الأسباب إلى الإشراك بهم، وقد حذر الله تعالى من الشرك غاية التحذير وأخبر أنه لا يغفر لأهله، وما كان وسيلة إلى الشرك فإنه لا يجوز فعله ويجب الإنكار والتشديد على من يفعله.
السادس قولهم: لقد أثبت القرآن صراحة لا تلميحًا ولا مجازًا أن بقايا الصالحين وآثارهم يمكن التوسل بها في استجلاب الخير ودفع الضر مهما تقادم بها العهد، يقول الله ﵎: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
والجواب أن يقال: إن الشريعة المحمدية الكاملة قد نسخت الشرائع التي كانت قبلها فليس لأحد أن يعمل بشيء يخالفها، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن الغلو، وأعظم الغلو ما كان وسيلة إلى الشرك بالله تعالى ومنه التبرك ببقايا الصالحين وآثارهم والتوسل بها في استجلاب الخير واستدفاع الضرر، وقد قال رسول الله - ﷺ - قبل أن يموت بخمس: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم من حديث جندب بن
[ ١٦ ]
عبد الله البجلي ﵁.
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: إنما نهى النبي - ﷺ - عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية انتهى.
في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وفي الصحيحين وغيرهما أيضا عن عائشة وابن عباس ﵃ قالا: لما نزل برسول الله - ﷺ -: طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر مثل ما صنعوا».
وفي هذه الأحاديث دليل على أنه لا يجوز التبرك بآثار الصالحين ولا الدعاء عند قبورهم ومقاماتهم، لأن ذلك وسيلة إلى الغلو فيهم والإشراك بهم، وسد الذرائع المفضية إلى الشرك هو الحكمة في نهيه - ﷺ - عن اتخاذ قبره عيدًا وعن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد ولعنه الذين اتخذوا قبورهم مساجد. وبالجملة
[ ١٧ ]
فليس في الآية من سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ الآية ما يدل على جواز التوسل ببقايا الصالحين وآثارهم في استجلاب الخير واستدفاع الضرر، ومن زعم أن الآية تدل على جواز التوسل ببقاياهم وآثارهم فقد جمع بين ثلاثة أمور محرمة، أحدها الغلو في الصالحين، والغلو فيهم من أعظم الوسائل إلى الشرك بهم، وقد نهى النبي - ﷺ - عن الغلو وتقدم ذكر الحديث في ذلك.
الثاني القول في القرآن بمجرد الرأي: وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي من حديث ابن عباس ﵄ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي رواية له: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي: هذا حديث حسن.
قال: وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم انتهى.
الثالث: اتباع ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة وتضليل
[ ١٨ ]
الجهال الذين لا يعرفون الفرق بين الحق والباطل، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾.
ومن الأدلة على المنع من تتبع آثار الأنبياء والصالحين ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه بإسناد صحيح إلى نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها قال: فأمر بها فقطعت، وروى ابن أبي شيبة أيضا بإسناد صحيح عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر ﵁ في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ فلما قضي حجة ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله - ﷺ - فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل» فهذا فعل الخليفة الراشد في الإنكار على الذين يعظمون الشجرة التي بويع تحتها رسول الله - ﷺ -. وهذا قوله في الإنكار على الذين يعظمون المكان الذي قد صلى فيه رسول الله - ﷺ -، ولو كان تعظيم آثار الأنبياء والصالحين جائزا لما قطع عمر ﵁
[ ١٩ ]
الشجرة التي بويع النبي - ﷺ - تحتها، ولما نهي الناس عن تحري الصلاة في المسجد الذي قد صلى فيه رسول الله - ﷺ -، وفي فعل عمر ﵁ وقوله أبلغ رد على من زعم أن بقايا الصالحين وآثارهم يمكن التوسل بها في استجلاب الخير واستدفاع الضرر. وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، قال وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة انتهى.
ولفظه عند ابن حبان: «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وروى الإمام أحمد أيضا وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» وروى الإمام أحمد أيضا وأبو داود وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن أبي ذر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وقال الذهبي في تلخيصه على شرط مسلم، وروى الإمام أحمد أيضا والترمذي وابن ماجه والبخاري في التاريخ والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄
[ ٢٠ ]
عن النبي - ﷺ - أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي هذا حديث حسن وصححه الحاكم والذهبي، وروى الإمام أحمد أيضا وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا الحاكم وابن عبد البر والذهبي.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على الذين يتتبعون آثار الصالحين ويخالفون فعل عمر ﵁ في قطع الشجرة التي بويع النبي - ﷺ - تحتها ويخالفون أيضا نهيه عن اتخاذ آثار الأنبياء بيعًا، وقد قال ابن وضاح في كتاب (البدع والنهي عنها): كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي - ﷺ - ما عدا قباء وأحدًا. قال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها. وكذلك فعل غيره أيضا ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضا مسجد بيت المقدس فلم يعدُ فعل
[ ٢١ ]