وفي المسند من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: «غشمه وظلمه ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله ﷿ لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث»، وقد رواه الحاكم في مستدركه مختصرًا وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وللمفتونين بالاشتراكية شبه يتشبثون بها وقد استوفى الرد عليها ثلاثة من أفاضل العلماء في ثلاث رسائل صدرت من دار الإفتاء بالرياض وقد اكتفيت بما كتبوه إذ لا مزيد على ذلك فجزاهم الله تعالى خير الجزاء ووفقنا وإياهم لنصر الحق وقمع الباطل.
فصل
النوع الرابع: من التشبه بأهل الجاهلية ما افتتن به بعض المنتسبين إلى الإسلام في زماننا من الدعوة إلى القومية العربية والاعتياض بها عن الأخوة الإسلامية وعن الدعوة إلى سبيل الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة.
وهذه دسيسة الإفرنج ومكيدة من مكائدهم أرادوا بها
[ ٤٨ ]
تفريق شمل المسلمين وإيقاع العداوة والبغضاء بينهم. وأول ما فعلوا ذلك في بلاد الشام منذ أكثر من ستين سنة على أيدي دعاتهم المبشرين ليفصلوا الترك عن العرب، ذكر ذلك بعض المؤرخين، وذكر أنهم عقدوا لذلك مؤتمرًا في باريس منذ أكثر من خمسين سنة، وكثرت بسبب ذلك الجمعيات العربية وتعددت الاتجاهات.
قلت: ولم تزل الدعوة إليها تزداد والافتتان بها ينمو من ذلك الحين إلى زماننا هذا.
وقد نبه على هذه الدسيسة الإفرنجية صاحب المنار محمد رشيد رضا في كتابه (الخلافة والإمامة العظمى) فقال: ومن وسائل المتفرنجين لإماتة الدين تعارض المانع والمقتضى فاتخذوا لإزالة الموانع وسائل:
منها: بث الإلحاد والتعطيل في المدارس الرسمية ولا سيما العسكرية وفي الشعب جميعًا وألفوا لذلك كتبًا ورسائل بأساليب مختلفة.
ومنها تربية النابتة الحديثة في المدارس وفي الجيش على العصبية الجنسية وإحلال خيالها محل الوجدان الديني بجعلها في المثل الأعلى للأمة والفخر برجالها المعروفين في التاريخ، وإن كانوا من المفسدين المخربين بدلا من الفخر برجال الإسلام من الخلفاء الراشدين وغيرهم من السلف الصالحين ولهم في ذلك أشعار وأناشيد يتغنى بها التلاميذ والجنود وغيرهم انتهى.
وقد زاد الحمق والغرور ببعض أهل الجهل المركب في زماننا فزعموا أن القومية العربية هي روح الإسلام، وأن الدعوة إليها دعوة إلى روح الإسلام.
[ ٤٩ ]