قلت: ووجه ذلك أن النساء إنما أبيح لهن لبس الحرير لحاجتهن إلى التزين للأزواج وليس كذلك افتراش الحرير والاستناد إليه؛ لأنه ليس من التزين الذي أبيح لهن فيبقى على المنع.
ومثل ذلك استعمال الذهب والفضة فإنه يجوز للنساء أن يتحلين بهما لحاجتهن للتزين للأزواج ولا يجوز لهن اتخاذ الأواني منهما ولا الأكل والشرب فيهما؛ لأن ذلك ليس من التزين الذي أبيح لهن والله أعلم.
فصل
النوع الثامن عشر: من التشبه بأعداء الله تعالى تحلي الرجال بساعات الذهب والفضة وتحلي الرجال والنساء بساعات الحديد.
والدليل على ذلك ما رواه البخاري في كتاب اللباس من صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة».
وما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - وعليه خاتم من شبه فقال: «مالي أجد منك ريح الأصنام؟»، فطرحه ثم جاء وعليه ختم من حديد. فقال: «مالي أرى عليك حلية أهل النار؟»، فطرحه فقال: يا رسول الله! من أي شيء أتخذه؟ قال: «اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالًا»، هذا لفظ أبي داود.
وفي رواية الترمذي ثم جاءه وعليه خاتم من صفر بدل قوله من شبه
[ ١٥٩ ]
وزاد ثم أتاه وعليه خاتم من ذهب فقال: «مالي أرى عليك حلية أهل الجنة». قال الترمذي: هذا حديث غريب. وصححه ابن حبان واحتج به الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيما رواه الأثرم عنه كما سيأتي قريبًا. فدل على صحته عنده، وله شواهد يأتي ذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى.
قال الخطابي رحمه الله تعالى إنما قال في خاتم الشبه أجد منك ريح الأصنام؛ لأن الأصنام كانت تتخذ من الشبه.
قال: ويقال معنى حلية أهل النار أنه زي بعض الكفار وهم أهل النار.
قلت: الذي يفيد ظاهر الحديث أن الحديد حلية الكفار في نار جهنم ويؤيد ذلك قوله في خاتم الذهب: إنه حلية أهل الجنة، ففيه الأخبار عن حلية كل من الفريقين في الدار الآخرة والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل على المنع من التحلي بساعات الشبه والحديد؛ لأنه إذا منع من التختم بهما فلأن يمنع من التحلي بالساعات المتخذة منها بطريق الأولى والأحرى.
وإذا تحلى الرجل بشيء من الساعات المتخذة منهما فقد جمع بين التشبه بالنساء والتشبه بأهل النار، ولا يجوز التشبه بأهل النار ولا بالنساء وقد لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء، وفي قوله - ﷺ -: «ولا تتمه مثقالًا» دليل على أنه لا يجوز للرجل أن يتحلى من الفضة بزنة مثقال فما فوقه. فأما ما دون ذلك فيجوز في الخاتم ولا يجوز فيما يلبس في الذراع لما في ذلك من التشبه بالنساء.
وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده: حدثنا يحيى بن
[ ١٦٠ ]
سعيد عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ ابن النبي - ﷺ - رأى على بعض أصحابه خاتمًا من ذهب فأعرض عنه فألقاه واتخذ خاتمًا من حديد فقال: «هذا شر هذا حلية أهل النار»، فألقاه فاتخذ خاتمًا من ورق فسكت عنه. إسناده جيد وقد حسن الترمذي حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده في بعض المواضع من جامعه وصححه في بعضها. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأحسن كل الإحسان في ذلك أي في تصحيح حديثه.
قلت: وصحح حديثه أيضًا الحاكم في مستدركه ووافقه الذهبي على ذلك في تلخيصه.
وروى الحاكم في مستدركه عن إسحاق بن راهويه أنه قال: إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄.
وروي أيضا عن الإمام أحمد أنه قال: قد صح سماع عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو ﵄. وذكر الدارقطني في سننه عن شيخه أبي بكر النيسابوري مثل ذلك.
وقال الترمذي في جامعه: قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- رأيت أحمد وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب قال محمد وقد سمع شعيب بن محمد من عبد الله بن عمرو ﵄.
وقال الدارقطني في سننه حدثنا محمد بن الحسن النقاش أخبرنا
[ ١٦١ ]