وكما أن السلام هو تحية المسلمين فيما بينهم في الدنيا فكذلك هو تحيتهم فيما بينهم في الدار الآخرة كما قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾.
وإذا علم فضل السلام وأنه تحية المسلمين في الدارين فليعلم أيضًا أنه لا أسفه رأيًا ممن رغب عن ذلك واستبدل عنه بإشارات الإفرنج وضربهم بالأرجل.
والله المسئول أن يوفق ولاة أمور المسلمين لمنع هذه الأفعال المخالفة للشريعة المحمدية.
فصل
النوع الربع والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى قيام الشرط وغيرهم من أعوان الملوك وخدامهم على الملوك وهم قعود وقيام الرجال للداخل عليهم على وجه التعظيم له والاحترام.
وقد ورد النهي عن ذلك والتشديد فيه كما في صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: اشتكى رسول الله - ﷺ - فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قيامًا فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودًا فلما سلم قال: «إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا» الحديث وقد رواه ابن ماجه في سننه بإسناد مسلم.
[ ١٩٩ ]
ورواه البخاري في «الأدب المفرد» عن عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني أبو الزبير عن جابر ﵁ فذكره بمثله وإسناده حسن وقد بوب عليه البخاري بقوله: «باب قيام الرجل للرجل القاعد». ثم قال البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد «باب من كره أن يقعد ويقوم له الناس».
حدثنا موسى -يعني ابن إسماعيل التبوذكي- قال حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال صرح رسول الله - ﷺ - من فرس بالمدينة على جذع نخلة فانفكت قدمه فكنا نعوده في مشربة لعائشة ﵂ فأتيناه وهو يصلي قاعدا فصلينا قياما ثم أتيناه مرة أخرى وهو يصلي المكتوبة قاعدا فصلينا خلفه قياما فأومأ إلينا أن اقعدوا فملما قضى الصلاة قال: «إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا وإذا صلى قائما فصلوا قياما ولا تقوموا والإمام قاعد كما تفعل فارس بعظمائهم» إسناده صحيح رجاله كلهم من رجال الصحيحين.
وقد رواه أبو داود في سننه عن عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير ووكيع عن الأعمش فذكره بنحوه. وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وفي المسند وسنني أبي داود وابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال خرج علينا رسول الله - ﷺ - متوكئا على عصا فقمنا إليه فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا» قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: إسناده حسن فيه أبو غالب واسمه حزور ويقال نافع ويقال سعيد بن الحزور فيه كلام طويل ذكرته في مختصر السنن وغيره والغالب عليه التوثيق وقد صحح له الترمذي وغيره.
[ ٢٠٠ ]
قلت وقد وثقه الدارقطني وقال ابن مفلح في «الآداب»: أبو غالب مختلف فيه وحديثه حسن. وقد بوب أبو داود على هذا الحديث وعلى حديث معاوية الآتي بقوله: باب الرجل يقوم للرجل يعظمه بذلك.
وقال البخاري رحمه الله تعالى في «الأدب المفرد»: حدثنا موسى بن إسماعيل -يعني التبوذكي- قال حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن أنس ﵁ قال ما كان شخص أحب إليهم رؤية من النبي - ﷺ - وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه لما يعلمون من كراهيته لذلك. إسناده صحيح على شرط مسلم وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وبوب الترمذي على هذا الحديث وعلى حديث معاوية الآتي بقوله: باب كراهية قيام الرجل للرجل.
وقال أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل -يعني التبوذكي- حدثنا حماد -يعني ابن سلمة- عن حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز قال: خرج معاوية ﵁ على ابن الزبير وابن عامر فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» إسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه الترمذي في جامعه فقال حدثنا محمود بن غيلان حدثنا قبيصة -يعني ابن عقبة- حدثنا سفيان-يعني الثوري- عن حبيب ابن الشهيد عن أبي مجلز قال خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه فقال: اجلسا سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي: وفي الباب عن أبي أمامة ﵁ وهذا حديث حسن.
[ ٢٠١ ]
قلت رجاله كلهم من رجال الصحيحين فهو على هذا صحيح على شرط الشيخين. ثم رواه الترمذي عن هناد عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن حبيب ابن الشهيد عن أبي مجاز بكسر الميم وإسكان الجيم واسمه لاحق بن حميد السدوسي عن معاوية ﵁ عن النبي - ﷺ - نحوه وهذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين وقد رواه الإمام أحمد في مسنده من طرق عن حبيب بن الشهيد وأسانيده كلها صحيحة.
وقال البخاري رحمه الله تعالى في «الأدب المفرد»: باب قيام الرجل للرجل تعظيما. حدثنا آدم -يعني ابن أبي إياس- قال حدثنا شعبة وحدثنا حجاج -يعني ابن منهال- قال حدثنا حماد -يعني ابن سلمة- قال حدثنا حبيب بن الشهيد قال سمعت أبا مجلز يقول: إن معاوية ﵁ خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير قعود فقام ابن عامر وقعد ابن الزبير وكان أرزنهما قال معاوية ﵁ قال النبي - ﷺ -: «من سره أن يمثل له عباد الله قيامًا فليتبوأ بيتًا في النار» إسناداه صحيحان على شرط مسلم.
قال ابن الأثير في قوله: «من سره أن يمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار» أي: يقومون له قياما وهو جالس يقال مثل الرجل يمثل مثولا إذا انتصب قائمًا وإنما نهي عنه لأنه من زي الأعاجم ولأن الباعث عليه الكبر وإذلال الناس.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في الكلام على قول النبي - ﷺ -: «إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها».
[ ٢٠٢ ]
في هذا الحديث أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهم قعود.
ومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوم لله لا لإمامه وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد. ونهي أيضا عما يشبه ذلك وإن لم يقصد به ذلك.
وفي الحديث أيضا نهي عما يشبه فعل فارس والروم وإن كانت نيتنا غير نيتهم لقوله: «فلا تفعلوا». فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية انتهى.
وقال النووي فيه النهي عن قيام الغلمان والتباع على رأس متبوعهم الجالس لغير حاجة.
وأما القيام للداخل إذا كان من أهل الفضل والخير فليس من هذا بل هو جائز قد جاءت به أحاديث وأطبق عليه السلف والخلف.
قلت في آخر هذا الكلام نظر فإن النبي - ﷺ - كان أفضل الخلق وخيرهم ومع هذا فقد نهى أصحابه عن القيام له إذا خرج عليهم وأخبرهم أن ذلك من فعل الأعاجم يعظم بعضهم بعضا.
وقال أنس ﵁: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي - ﷺ - وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك.
ولما قام ابن عامر لمعاوية ﵁ لما خرج عليهم أمره أن
[ ٢٠٣ ]
يجلس وحدثهم بما سمع من النبي - ﷺ - من التشديد في ذلك. وهذه أحاديث صحيحة فيجب العمل بها.
ومن قال: إنها محمولة على القيام على الملوك وهم قعود وما أشبه ذلك فقد أبعد النجعة وخالف ما دلت عليه هذه الأحاديث من النهي عن القيام للداخل ونحوه على وجه التعظيم والاحترام.
وقد رد ابن القيم رحمه الله تعالى على من قال بهذا القول فقال في تهذيب السنن على قول المنذري.
وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ أنهم لما صلوا خلفه - ﷺ - قيامًا وهو قاعد فأشار إليهم فقعدوا فلما سلم قال: «إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا».
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: حمل أحاديث النهي -يعني حديث معاوية وحديث أبي أمامة- على مثل هذه الصورة ممتنع فإن سياقها يدل على خلافه وأنه - ﷺ - كان ينهى عن القيام له إذا خرج عليهم ولأن العرب لم يكونوا يعرفون هذا وإنما هو من فعل فارس والروم.
ولأن هذا لا يقال له: قيام للرجل إنما هو قيام عليه.
ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه والقيام عليه المشبه لفعل فارس والروم والقيام إليه عند قدومه الذي هو سنة العرب وأحاديث الجواز تدل عليه فقط انتهى.
وذكر ابن القيم أيضا حديث معاوية ﵁ ثم قال: وفيه رد
[ ٢٠٤ ]
على من زعم أن معناه: أن يقوم الرجل للرجل في حضرته وهو قاعد فإن معاوية روى الخبر لما قاما له حين خرج.
قال: وأما الأحاديث المتقدمة فالقيام فيها عارض للقادم مع أنه قيام إلى الرجل للقائه لا قيام له وهو وجه حديث فاطمة فالمذموم القيام للرجل.
وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم فلا بأس به وبهذا تجتمع الأحاديث والله أعلم انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
والأحاديث التي أشار إليها أنها قد تقدمت ستأتي في القسم الثالث وهي حديث عائشة ﵂ في قيام النبي - ﷺ - لزيد بن حارثة، وقوله للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» وحديث عائشة ﵂ في قيام النبي - ﷺ - إلى فاطمة إذا دخلت عليه وقيامها إليه إذا دخل عليها.
إذا علم هذا فالقيام على ثلاثة أقسام:
أحدها: القيام على الرجل وهو قاعد كما يفعله الشرط وغيرهم من أعوان الملوك مع الملوك وهذا هو الذي ورد النهي عنه في حديث جابر ﵁ الذي تقدم ذكره ولا أعلم نزاعًا في كراهته والمنع منه.
ويستثنى من هذا مسألة واحدة وهي ما إذا قدم على الإمام رسل من الأعداء وخيف منهم أن يغدروا به فلا بأس أن يقوم بعض أعوانه على رأسه بالسلاح كما فعل المغيرة بن شعبة ﵁ في صلح الحديبية فإنه كان قائما بالسلاح على رأس رسول الله - ﷺ - حين قدم عليه رسل قريش.
والحديث بذلك في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد وغيرهما.
[ ٢٠٥ ]
القسم الثاني: القيام للداخل ونحوه إعظامًا له واحترامًا لا لقصد المعانقة أو المصافحة. وفي كراهة هذا والمنع منه نزاع بين العلماء والصحيح المنع منه لما تقدم عن أبي أمامة وأنس ومعاوية ﵃ في ذلك. وأحاديثهم وإن كانت واردة في هذا القسم فعمومها يشمل القسم الأول أيضا لأن كلا منهما من أفعال الأعاجم وتعظيم بعضهم بعضًا. والمسلم منهي عن التشبه بالأعاجم وقد قال النبي - ﷺ -: «من تشبه بقوم فهو منهم» وفي الحديث الآخر: «ليس منا من تشبه بغيرنا».
وقد فرق بعض العلماء بين القيام لأهل الفضل والفقه وبين القيام لغيرهم فأجازوه لأهل الخير ومنعوه لغيرهم وهذا تفريق لا دليل عليه. وقد تقدم رد ما قاله النووي في ذلك.
قال إسحاق بن إبراهيم: خرج أبو عبد الله على قوم في المسجد فقاموا له فقال: لا تقوموا لأحد فإنه مكروه.
وقال أحمد أيضا في رواية مثنى: لا يقوم أحد لأحد.
وقال ابن حنبل: قلت لعمي ترى للرجل أن يقوم للرجل إذا رآه قال: لا يقوم أحد لأحد إلا الولد لوالده أو لأمه فأما لغير الوالدين فلا. نهى النبي - ﷺ - عن ذلك.
وظاهر هذه الروايات أنه لا فرق بين القيام لأهل الفقه والدين وبين القيام لغيرهم. وقد روي عن الإمام مالك نحو هذا قال ابن القاسم في «المدونة»: قيل لمالك الرجل يقوم للرجل له الفضل والفقه قال: أكره ذلك ولا بأس بأن يوسع له في مجلسه.
[ ٢٠٦ ]
قال: وقيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طلع قاموا فليس هذا من فعل الإسلام.
وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: محصل المنقول عن مالك إنكار القيام ما دام الذي يقام لأجله لم يجلس ولو كان في شغل نفسه فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها فتتلقاه وتنزع ثيابه وتقف حتى يجلس فقال: أما التلقي فلا بأس به وأما القيام حتى يجلس فلا فإن هذا من فعل الجبابرة وقد أنكره عمر بن عبد العزيز انتهى.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: أبو بكر والقاضي ومن تبعهما فرقوا بين القيام لأهل الدين وغيرهم فاستحبوه لطائفة وكرهوه لأخرى والتفريق في مثل هذا بالصفات فيه نظر.
قال: وأما أحمد فمنع منه مطلقا لغير الوالدين فإن النبي - ﷺ - سيد الأئمة ولم يكونوا يقومون له فاستحباب ذلك للإمام العادل مطلقا خطأ.
وقصة ابن أبي ذئب مع المنصور تقتضي ذلك.
وما أراد أبو عبد الله -والله أعلم-إلا لغير القادم من سفر فإنه قد نص على أن القادم من السفر إذا أتاه إخوانه فقام إليهم وعانقهم فلا بأس به.
وحديث سعد يخرج على هذا وسائر الأحاديث فإن القادم يتلقى لكن هذا قام فعانقهم والمعانقة لا تكون إلا بالقيام.
وأما الحاضر في المصر الذي قد طالت غيبته والذي ليس من عادته المجيء إليه فمحل نظر. فأما الحاضر الذي يتكرر مجيئه في الأيام كإمام المسجد أو السلطان في مجلسه أو العالم في مقعده فاستحباب القيام له خطأ بل المنصوص عن أبي عبد الله هو الصواب انتهى.
[ ٢٠٧ ]