ويشهد لما قاله عبد الله بن عمرو ﵄ قول الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية. قال عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: وأزواجهم قال أشباههم، وكذا قال ابن عباس والنعمان بن بشير ﵃ يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم.
وقال قتادة والكلبي كل من عمل مثل عملهم.
وقال الراغب الأصفهاني أي أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال ابن كثير أي جمع كل شكل إلى نظيره.
وروى ابن أبي حاتم عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال: «الضرباء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله».
وروى ابن أبي حاتم أيضا عن النعمان بن بشير ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس فقرأ ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ فقال: «تزوجها أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم».
وفي رواية قال: «هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة أو النار»، وقال مجاهد: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال: الأمثال من الناس جمع بينهم، قال ابن كثير وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن وقتادة. واختاره ابن جرير وهو الصحيح.
فصل
وقد جاء عن النبي - ﷺ - أنه كان يتعوذ من بلوغ الزمان الذي يشتبه فيه المسلمون بالأعاجم ويعوذ أصحابه من بلوغه.
[ ١٣ ]
ففي المسند من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «اللهم لا يدركني زمان أو لا تدركوا زمانًا لا يتبع فيه العليم ولا يستحيا فيه من الحليم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب».
وفي مستدرك الحاكم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «اللهم لا يدركني زمان أو لا أدرك زمان قوم لا يتبعون العليم ولا يستحيون من الحليم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال المناوي في شرح الجامع الصغير قلوبهم قلوب الأعاجم أي بعيدة من الخلاق مملوءة من الرياء والنفاق، وألسنتهم ألسنة العرب متشدقون متفصحون متفيهقون يتلونون في المذاهب ويروغون كالثعالب.
قال الأحنف لأن أبتلى بألف جموح لجوج أحب إلي من أن ابتلى بمتلون. قال والمعنى اللهم لا تحيني ولا أصحابي إلى زمن يكون فيه ذلك انتهى. وهذان الحديثان مطابقان لحال الأكثرين من زماننا فإنهم لا يتبعون العليم ولا يستحيون من الحليم. «إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس». ويطيعون المغوين ويعصون المرشدين، وليس معهم من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ما يحملهم على الحياء. ويمنعهم من تعاطي ما يدنس ويشين عند ذوي الأحلام والنهى.
وإنما شبه قلوبهم بقلوب الأعاجم لقلة فقههم في الدين، وانحرافهم عن المرواءات العربية وتخلقهم بأخلاق الأعاجم من طوائف الإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى وشدة ميلهم إلى مشابهتهم في الزي الظاهر واتباع سننهم حذو القذة بالقذة.
[ ١٤ ]