وأما قول هذا المخالف إنه لا يحتاج في الاتصاف إلى آخر كلامه.
فإن أراد بقوله هذا أنه يحتاج ويفتقر فلسنا نقول إنه يوصف بالحاجة والافتقار، وإن أراد أنه لا يوصف بصفة العزة والجلال فغير صحيح، لأن الله وصف نفسه بكتابه بذلك فقال: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾ (^١) وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ (^٢)، ولا يوصف بالعزة والجلال إلا من له العزة والجلال.
وأما الجواب عن استدلال القدري على عدم هذه الصفات لله تعالى بقوله ﴿هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ …﴾ (^٣) الآية.
فإنه يقال له ولأهل مذهبه في كل دليل يستدلون به بأنه من كتاب الله قولك: قوله: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أهذا قول الله حقيقة، أو هو قولك حقيقة وقول الله مجازًا؟ فإن قال: بل هو قول الله حقيقة، فقد رجع عن قوله بأن القرآن مخلوق (^٤) وقلنا الدليل على إبطال تأويلك لهذه الآية من وجهين: أحدهما: أن نقول: لو كان قوله تعالى: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ دليلا على عدم ثبوت هذه الصفات لله حقيقة لبطل أن تكون هذه الآية قولا له حقيقة (^٥) لأن قوله من صفاته وإذا لم تكن قولا له حقيقة لم تكن دليلا على عدم إثبات صفته لأنه يؤدي ثبوت كونها دليلا (^٦) إلى عدم ثبوتها، وما أدى ثبوته إلى بطلانه بطل ثبوته، وهذا من التنافي الذي لا يعقله إلا العالمون.
_________________
(١) النساء آية (١٣٩).
(٢) الرحمن آية (٢٧).
(٣) يونس آية (٦٨).
(٤) المعتزلة ينفون عن الله عزوجل سائر الصفات ومنها الكلام، لهذا قالوا في القرآن: إنه مخلوق وليس كلام الله عزوجل. وسيأتي مزيد إيضاح لذلك فقد أفرد المصنف - ﵀ - لذلك فصولًا تبتدئ من فصل ٩٦ إلى فصل ١٠٠
(٥) لأنه عند ذلك يبطل الاستدلال بها على ما أرادوا.
(٦) أي دليلا على عدم اتصاف الباري بالصفات.
[ ١ / ١٣٧ ]
ثم يعارض هذا التأويل بالنص على ثبوت هذه الصفات على ما مضى (^١).
والوجه الثاني من الاستدلال أن نقول: هذه الآية واردة على سبب، وذلك أن اليهود قالت: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت قريش: الملائكة بنات الله، وأخبر الله عنهم بذلك بقوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ فنزه نفسه عن قولهم هذا، ثم قال: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي عن الولد، وأخبر أن الجميع ممن نُسب أنه ولد له ملك له، فقال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي حجة أن له ولدًا ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢) فإذا ثبت أن الآية نزلت على هذا السبب كان تأويل هذا المخالف على ما ذكر مما يوافق مذهبه تبديلا، وإن تجاهل هذا الرجل وتجاسر بالتصريح عن مذهبه وقال بل قوله: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ ليس بقول الله حقيقة وإنما هو قولي حقيقة (^٣). قلنا عن قوله هذا جوابان:
أحدهما: بأن نقول له: إذا لم يكن هذا قول الله حقيقة فلا جواب لك علينا، لأنا إنما يلزمنا الجواب عن الاحتجاج بقول من قوله حجة (^٤) وهو الشارع، فأمّا قول غيره فليس بحجة.
_________________
(١) وهي الأدلة المثبتة لهذه الصفات. انظر: ص ١٣٣ - ١٣٤.
(٢) لم أقف على من أشار إلى أن الآية نزلت لهذا السبب، وإنما هي إخبار من الله عزوجل عن قول اليهود والنصارى ومشركي قريش في ادعائهم أن الله اتخذ ولدًا، فأنكر الله عزوجل عليهم ذلك ونزه نفسه عن اتخاذ الولد وبين أن الجميع ملكه وقد ذكر هذا الطبري - ﵀ - في تفسيره، والقرطبي - ﵀ - أحال في تفسيرها إلى قوله عزوجل في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ آية (١١٦). انظر: تفسير ابن جرير ١١/ ١٤٠، تفسير القرطبي ٢/ ٨٥، ٨/ ٣٦١.
(٣) نسب القول إليه لأن المعتزلة يقولون بأنهم يخلقون أفعالهم.
(٤) قوله (قوله حجة) ساقطة من - ب-.
[ ١ / ١٣٨ ]
والثاني: أن نقول له: فإذا لم تكن هذه الآية وغيرها قول الله حقيقة فكيف ساغ لك أن تقول: قال الله، وهو كذب وباطل أنه ليس بقول له، وقد شنعت على خصمك بالكذب حين أثبتوا هذه الصفات لله، وهم إنما قالوا كما قال الله، ونطالب هذا القائل وغيره من أهل مذهبه عند الاحتجاج بالقرآن بالتصريح بأي القسمين ليرجع إلى الحق، بأن القرآن قول الله حقيقة، أو بأن القرآن قوله وخلقه، ليتبين كفره، ونقول له إذا صرح بذلك: فمن القائل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (^١)، ومن القائل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (^٢).
_________________
(١) طه آية (١٤) والآية في الأصل هكذا (اني أنا …) وهو خطأ ..
(٢) طه آية (٨٢).
[ ١ / ١٣٩ ]