الإيمان بأن الله عزوجل قد كتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة الصغير والكبير والحقير والجليل من أحوال بني آدم وأعمالهم، فهم يصدون عن شيء قد كتب عليهم وسجل قبل خلقهم ووجودهم، ويردون إلى شيء قد سجل عليهم وخط به القلم، فكتبت طاعاتهم ومعاصيهم وكتب أهل الجنة وأهل النار وهم لن يتعدوا ما كتب لهم وعليهم.
والدليل على ذلك قوله عزوجل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (^١) ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (^٢) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٣) ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٤) ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٥)
ومن السنة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" (^٦) وحديث عمران بن الحصين قال إني عند رسول الله - ﷺ- إذ جاءه قوم من بني تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قبلنا
_________________
(١) سورة يس آية (١٢).
(٢) سورة القمر آية (٥٢ - ٥٣).
(٣) سورة الحج (٧٠).
(٤) سورة يونس آية (٦١).
(٥) سورة فاطر آية (١١).
(٦) سيأتي تخريجه حيث ذكره المصنف. ص ().
[ ١ / ٤٧ ]
جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء" (^١).
فكل شيء قد كتب ومضى به القدر وعُرِفَ أهل الجنة وأهل النار يقول علي بن أبي طالب - ﵁: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله - ﷺ- فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله تعالى مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة" قال: فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: "من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال: اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ: - ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (^٢).