وهو: أدلة العقل، أما الكتاب: فهو قول الله تعالى وهو القرآن الذي هو سور وآيات الذي هو خارج عن أجناس النظم وعن كلام البشر بمعاني تصح ولا تفسد (^١). منها أنه أخبر به (^٢) عما كان في التوراة والإنجيل من القرون الماضية والأنبياء المتقدمين، وكان أميا لا يقرأ كتابا، وأخبر عما يكون قبل أن يكون كدخوله مكة وغَلَبَة الروم وغير ذلك فكان كما أخبر، وأمره الله أن يقول: هذا كلام ربي، وأمرني أن أبلغه إليكم، فقالوا: إنما يعلمه بشر، ولو شئنا لقلنا مثل هذا، فأمره الله أن يتحداهم بالإتيان بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله، وهم أفصح العرب على النظم والنشر والخطب والرسائل وأنواع الشعر والسجع وبهم من الحمية والأنفة ورفع العار عن أنفسهم ما يدعوهم إلى أن يعارضوه بمثله، وكان الرجلان إذا تساجلا في الشعر والسجع أو غير ذلك وأتى أحدهما بأفصح مما جاء به صاحبه لحق الآخر من النقص والعار بينهم ما يضيق به ذرعه، وأخبر الله لما تحداهم بالإتيان بمثله أنهم لا يأتون بمثله وإن تظاهروا وتعاونوا فقال تعالى: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (^٣) فكان كما أخبر أنهم لم يقدروا على معارضته. وقد عاش فيهم نيفا وعشرين سنة مع حرصهم على تكذيبه وتنفير الناس عنه وتسفيه رأيه، فلو كان من جنس كلامهم لعارضوه ولم يعدلوا إلى قتاله وبذل مهجهم وأموالهم وكان تكذيب قوله بالمعارضة أسهل وأبلغ عند الخلق، ومن تعاطى معارضته بشيء من ذلك سخر منه من كان يحب تكذيب النبي - ﷺ- وذلك مثل مسيلمة الكذاب، حين تعاطى
_________________
(١) هكذا في الأصل وهي كذلك في (ب).
(٢) يقصد بذلك النبي - ﷺ- الذي جاءنا القرآن عن طريقه.
(٣) الإسراء آية (٨٨).
[ ١ / ١٠٢ ]
معارضة سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ﴾، فقال: "إذا زلزلت القصعت زلزالها، وأسر الغضبان أحواه"ا" (^١) فالقم فإن اللقم أوحى لها، وفي سورة الفيل بقوله: "الفيل وما أدراك الفيل له ذنب ونبل (^٢) ومشفر طويل وإن هذا من كلام ربنا لقليل" (^٣).
فضحك منه أصحابه وعلموا بأنه كذاب، فعلم بذلك كله أن القرآن كلام الله أبان به صدق النبي - ﷺ- فيما أتى به (^٤) من النبوة وأنه شاهد من الله له بالصدق لأنه يستحيل من الله إظهار المعجزة على يدي الكذابين لأن ذلك يؤدي إلى قلب الأدلة وبطلانها وقد أمر الله باتباع الوحي والاستدلال له بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (^٥) ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (^٦) وغير ذلك من الآيات. فأصحاب الحديث هم القائلون بأن القرآن كلام الله حقيقة، وهم المستدلون به على أقوالهم ومذاهبهم وعليه عمدة أمرهم وأساس بنائهم. فأما المعتزلة والقدرية فلا يصح تعلقهم ولا استدلالهم به لأنهم يقولون: إن الله لا يجوز أن يكون متكلما، ولا قائلا وإن هذا القرآن المتلو المنزل على رسول الله - ﷺ- مخلوق لله يقدرون على الإتيان بمثله.
وإذا احتجوا بآية أو تلوها فلا يقولون إن الذي يسمع منهم هو خلق
_________________
(١) الكلمة غير ظاهرة تماما في الأصل وكتبتها حسب ما استطعت قراءتها وفي (ب) كتبت أقوالها.
(٢) هكذا أمكن قراءتها لعدم وضوحها في الأصل.
(٣) لم أقف على هذا الكلام المذكور هنا، وقد ذكر ابن الأثير في الكامل ٢/ ٢٤٤ ترهات أخرى لمسيلمة الكذاب.
(٤) في الأصل الكلمة غير ظاهرة تماما وأمكن قراءتها هكذا وفي (ب) ترك مكانها بياضا.
(٥) الأعراف آية (٣).
(٦) النور آية (٦٣).
[ ١ / ١٠٣ ]
الله كالشجر والحجر بل هو خلق لهم (^١) لأنه كلامهم وجميع كلامهم خلق لهم، فبطل أن يكون لهم فيه حجة أو دليل، وبطل أن يكون معجزة للنبي - ﷺ- عندهم لأنه إنما ثبت أنه معجزة له ودليل على صدقه إذا ثبت أنه كلام الله حقيقة، وإذا لم يكن ذلك كذلك عندهم فإنما يضاف بأنه كلام الله مجازا كما يضاف قول الحوض إليه مجازا: وهو قول الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطني … مهلا رويدا قد ملأت بطني (^٢)
ثبت أن نبوته مجاز (^٣) ليست بحقيقة فهم الداخلون تحت عموم قوله تعالى فيما أخبر عن الوليد بن المغيرة (^٤) ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ سأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (^٥) وتحت عموم قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ (^٦) وسأبين الحجة على أنه كلام الله حقيقة بعد هذا إن شاء الله.
_________________
(١) سيأتي تفصيل المصنف لكلام المعتزلة والرد عليهم عند ذكره لصفة الكلام فصل رقم ٩٦.
(٢) ذكر هذا البيت ابن منظور في لسان العرب ٥/ ٣٦٧٣ وقال: وقال الراجز ولم يعزه إلى معين.
(٣) قوله - ثبت أن نبوته مجاز - أي عند المعتزلة، فإن السياق يقتضيها.
(٤) الوليد بن المغيرة بن هشام المخزومي والد خالد بن الوليد مات في السنة الأولى من الهجرة بمكة مشركا. انظر: البداية والنهاية ٣/ ٤٥٨.
(٥) المدثر آية (٢٥ - ٢٦) ونزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة لما طعن في القرآن الكريم ووصفه بأنه سحر من قول البشر. وقد أورد قصة ذلك ابن جرير في تفسيره. انظر: ٢٩ - ١٥٦، الدر المنثور ٨/ ٣٢٩.
(٦) آل عمران آية (١٨٧).
[ ١ / ١٠٤ ]